الرئيسية / دراسات عامة / رواسب الطوطمية القديمة ودورها في صناعة الأسطورة.

رواسب الطوطمية القديمة ودورها في صناعة الأسطورة.

معبد الحسون – الرقة بوست
الطوطمية طور طفولي مبكر من أطوار البشرية في عهودها الأولى، وهناك الكثرة من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في العصر الحديث من درس هذه الظاهرة بعناية كبيرة وأفرد لها مؤلفات متوسعة، ومن أبرز علماء الاجتماع الذين درسوا الطوطمية(ماك لينان) المتوفي عام 1881، و السير (جيمس فريزر) في مؤلفه الشهير “الغصن الذهبي”.. أما خلاصة موضوع الطوطمية فيمكن إجماله بالخلاصات التالية:
إن الطوطمية دورٌ مرَّ على القبائل الإنسانية البدائية، وإنها مازالت قائمة حتى اليوم بين أكثر الشعوب إغراقاً في البدائية والعزلة، وإن قوام الفكرة الطوطمية هي اتخاذ حيوان أو نبات أو كوكب أو نجم أو شيء آخر من الأشياء المحسوسة، وتبجيله أو تقديسه والخوف منه أو الرغبة في استجلاب عونه، واعتباره أباً لتلك القبيلة، حيث يسود اعتقاد مبهم لا يعرف منشأه لدى سائر أفراد القبيلة بأنهم منحدرون منه، ويتَسَمَّون باسمه.. كما تعتقد القبائل في الحقبة الطوطمية من عمر الإنسانية المغرقة في القدم بأن طوطمها يحييها ويدافع عنها، أو هو لا يؤذيها على الأقل، وإن كان الأذى بطبعه، كأن يكون أفعى أو عقرباً أو ذئباً أو ماشابه ذلك.. لذلك تقدس القبيلة طوطمها وتتقرب إليه وتتعبد له.. ولقد كان الزواج في أعراف وطقوس تلك القبائل في تلك المرحلة، ممنوعاً بين أهل الطوطم الواحد، وكانوا يذهبون إلى الزواج من قبائل غريبة عن قبيلة الطوطم المذكور، وهو ما يسمى بالزواج الخارجي، وتحريم سفاح القربى أو الاقتران بالنساء من قبيلة الطوطم، وهو أقدم تحريم لزواج الأقارب في تاريخ الإنسانية(1). وهم يعتقدون أن التزاوج بين أفراد القبيلة الواحدة ذو ضرر بالغ، أومهلك للقبيلة(2).. لذلك يتزوج رجال القبيلة الطوطمية نساءً من قبيلة أخرى غريبة، لا ترتبط بطوطم هذه القبيلة. وكان المخالف لهذه القاعدة، أي من يتزوج من قبيلته نفسها، قد يعرض نفسه لعقوبات تصل إلى الحكم عليه بالموت باعتباره ينتهك محظوراً. فالطوطمية إذن نشأت قبل الحضارة بزمن طويل، وإنّ مابقي منها هو آثار يسيرة تخللت مراحل من جميع الحضارات وشكلت رواسب عالقة تُذَكِّر بها، وكثير منها مايزال لدى بعض القبائل التي مازالت معاصرة حتى يومنا هذا، لكن ذلك لم يمنع أن تبقى لها آثار ورواسب في كل العصور، ولدى معظم الحضارات القديمة، بل والحديثة أيضاً(3).. والأبوة في الطوطمية غير معروفة عند أهل الطوطم، ومرجع النسب إلى الأم. ولا عبرة للعائلة والأسرة، فالقرابة هي قرابة الطوطم فقط. وأهل الطوطم الواحد هم أخوة وأخوات يجمعهم دم واحد كما يعتقدون(4).
والطوطمية”Totemism”، مصطلح اشتقه “لانك”، من كلمة (توتم ، totem)، من قبائل هنود أمريكا، ومنه جرى اصطلاح الطوطمية، أو التوتميسم، على كل اعتقاد جماعة بوجود صلة لها بحيوان أو حيوانات تكون في نظرها مقدسة، ولذلك لا يجوز صيدها أو ذبحها، أو قتلها أو أكلها أو إلحاق الأذى بها. كما تشمل الطوطمية بعض أنواع النباتات، فلا يجوز للقبيلة التي تقدسها أن تأكلها أو تقطعها أو تلحق الأذى بها، وقد يتوسع موضوع الطوطمية فتشمل بعض مظاهر الطبيعة مثل الحجر(5) أو وسائل استعمال معينة(6)، والنجوم والكواكب. كذلك كانت الأقوام الطوطمية ممن يؤمن بأن الطوطم لا يؤذي أتباعه، فلا يخافون منه، وهم يعتقدون أيضاً بأنه يدافع عنهم، وينذر أتباعه إن أحس بقرب وقوع خطر على أتباعه، وذلك بعلامات وإشارات على نحو ما يقال له الزجرة والطير والفأل.
وهم يتقربون إلى طوطمهم محاولةً منهم في كسب رضاه، فيقلدونه في شكله ومظهره، وقد يلبسون جلده أو جزءاً من جلده أو يعلقون جزءاً منه في أعناقهم أو يرسمونه وشماً على أذرعهم على نحو من التعاويذ، لأنه يحميهم بذلك ويمنع عنهم كل سوء. كما يحتفلون في المناسبات مثل الولادة أو الزواج أو الوفاة بنقش رمز الطوطم على ظهر المولود، أو دهن الجسم بدهن مقدس من دهان ذلك الطوطم إلى آخر ما هنالك من أعراف وتقاليد(7).
ويؤلف المعتقدون بالطوطم جماعة تشعر بوجود روابط دموية بين أفرادها، أي بوجود صلة رحم بينها(8).. ويجوز أن يكون ذلك خوفاً منه أو تهيباً أو احتراماً له، وقد يُرسَم له شعار تحمله الجماعة وأفرادها، وللقبيلة قوانين وآراء في موضوع الزواج الذي تترتب عليه قضية القرابة وصلات الرحم. وللعلماء دراسات بحثية مختلفة ومتعددة، ونظريات وآراء في الطوطمية، وثمة أقوال وتحليلات كثيرة، أشهرها نظريات تيلر” Tylor”، وسير جيمس فريزر”Frazer Sir j G”، وهو أشهر من بحث موضوع الطوطمية وتخصص فيه. وأخيراً ،يجب ذكر كتاب فرويد الشهير وبحثه السايكولوجي المستفيض، والذي عنوانه:(الطوطم والتابو).
يرى فريزر أن الطوطمية في شكلها الأول ليست ديانة، فهي مرحلة ماقبل الدين والتدين عند الإنسان، وأنها لا تصدر عن أوامر ونواهٍ وتشريعات ومعرفة بالحلال والحرام، إنما منشؤها من اعتقاد باطن قديم مجهول السبب بأبوة ذلك الطوطم وخاصته في الحماية والرعاية لتلك القبيلة المعتقدة به، ولعل الطوطمية بعد أن استمرت في تاريخ الإنسان لعشرات آلاف السنين قد تحولت إلى الوثنية وعبادة الأحجار والكواكب والملوك وغير ذلك، ثم تطورت ونضجت حتى وصلت إلى التوحيد وعبادة الله كما نعرفها اليوم، لكنها لم تكن صادرة يوماً من منشأ تعبدي، ولا كانت ديانة يتوجه بها إلى إله ما، فالطوطم ليس وثناً، ولم يكن يحمل مضمون الوثن وعبادته..
ولقد لا حظ كثير من العلماء والباحثين المعاصرين أن كثيراً من أسماء القبائل العربية هي أسماء حيوانات أو نباتات أو جمادات او أجرام فلكية، كما تختلط بعض المصطلحات التي لها مساس بالقرابة والنسب بمسميات الجسم، وصلات الدم. كما وجدوا بين هذه التسميات والمصطلحات وبين البحوث التي قاموا بها في موضوع دراسة المجتمعات البدائية صلة وعلاقة بالطوطمية مثلما أن لهذه المصطلحات صلة بدور الأمومة القديم وزواج الأمومة عند علماء الاجتماع . ومن أمثلة وجود أسماء قبائل عربية تحمل مسمى حيوانات أو جمادات أو كائنات أخرى إلى فترة متأخرة، مثل بني كلب وبني كليب وكلاب والنمر ونمير والذئب والفهد والضبع والدب والوبرة والسيد والسرحان وبكر وحَجَر وحِجْر وبني بدن وبني أسد والحارث(اسم للأسد)وبني يهثة وبني جحش وبني ضبة وبني جعل وبني جعدة وبني الأرقم وبني دِئل وبني يربوع وقريش(تصغير سمك القرش) وعنزة وبني حنش وبني غراب وبني فهد وبني عقاب وبني أوس وبني حنظلة وبني عقرب وبني غنم وبني عفرس وبني كوكب وبني قنفذ وبني الثعلب وبني عجل وبني إنعاقه وبني هوزن وبني ضب وبني قراد وبني جراد وبني ثور وبني أنف الناقة وبني مكلم الذئب.. كل ذلك لا يمكنه كله إلا أن يكون أثراً من آثار الطوطمية القديمة في حياة العرب وراسباً من رواسبها تأخر إلى مرحلة متقدمة من المرحلة الوثنية، بل ومن مرحلة البناء على أساسات ديانة توحيدية، ودليلاً قاطعاً على وجودها في حياتهم منذ تاريخ قديم.
بقي أن نذكر بأن وجود عدد كبير من القبائل قد تسمت بأسماء مؤنثة، ترجع نسل القبيلة ونسبها إلى أم قديمة وليس إلى أب قديم، يدل على وجود مرحلة أمومة (ماتريركية مقابل البطريركية) لدى العرب، وأمثال تلك الأسماء كثير بين قبائل العرب، من مثل: مدركة وطابخة وخندف وظاعنة وقيلة وجديلة ومرة وعطية وجعدة و كندة ونائلة وواثلة وقضاعة وقطوراء وماء السماء وخزاعة وزهرة وتغلب وهوازن وكنانة وقريظة وحنيفة وجهينة وفزارة ومزينة.. في هذا الدور الأمومي القديم والمغرق في أغوار سحيقة من التاريخ، لم يكن للنساء فيه أزواج معينون، لأن الزواج لم يكن فيه المعنى المفهوم من الزوجية كما نفهمها اليوم، بل كان الرجل يجتمع بالمرأة ثم يتركها أو تتركه، ليتصل بامرأة أخرى ولتتصل هي برجل آخر، وهكذا تكون المرأة قد اتصلت بعدد من الرجال كما يكون الرجل قد اتصل بعدد من النساء، وإذ لم تعرف المرأة من نَجَلَ مولودَها فإنها تنسبه لنفسها، وينسب المولود نفسه إلى أمه ويعرف ويشتهر بها، أضف إلى ذلك أن علماء الاجتماع لاحظوا بأن تسلسل أنساب القبيلة وتقسيماتها جاءت متسلسلة من جسد الأنثى وتفاصيله: البطن والفخذ والصلب والظهر والدم والرحم، وهذا التقسيم يُفصل ويكشف بوضوح تلك العلاقة الأمومية وتلك المرحلة التي كانت فيها السيادة والنسب للأم. يحيلنا هذا التصور للمرحلة الأمومية التي كانت سابقة في حياة الأقوام البدائية إلى أمرين اثنين: إن الإنسان حين بدأ يتعرف على آلهته ويطور ميزاتها وخصائصها العامة ودرجاتها ووظائفها، فإنه بدأ بتطوير الآلهة المؤنثة قبل أن ينتقل الى الآلهة المذكرة بزمن بعيد، فقد كانت الأنوثة تتضمن بيولوجياً ورمزياً معنى الخلق، والأنثى من حيث هي والدة للطفل، تبدو في أولى تجلياتها الرمزية وكأنها خالقة من العدم.. بالطبع في تلك المرحلة البعيدة كان يتشارك الخلق مع الإنسان ويطوره في الطبيعة الحيوان والطيور والجمادات والجن والكائنات الخفية .. وهذه التشاركية نعثر عليها في أمثلة لا تنضب ولا يسعها الحصر في موروثات الأمم القديمة، خاصة لدى الأقوام السامية: العبرانيون والفينيقيون والآراميون والعرب والأكاديون والفراعنة وكل أقوام تلك الحقبة وغيرهم.. إذ يكفي اليوم أن نلحظ بعجالة ما خلفته تلك الحضارات من آثار حتى نتأكد بأن حجم الممارسة
كما أن من رواسب وبقايا تلك الطوطمية المغرقة في القدم نوع من الخوف غير المشعور به( أي الرهاب بالمصطلح التحليلي النفسي)، قد ارتبط بالخوف من الكتابة، وأثرة الكلام الشفهي عليها.. فالكتابة، من حيث هي أثر مادي يحتوي على أحرف تظل خالدة وبعيدة في الزمان لا تزول ولا تنقرض وليس لها نهاية معلومة، تشبه شبهاً كبيراً كلام الآلهة وتأثيرها، فهي كلام الآلهة وقد جرى ادخارها وحفظها، بينما الكلام العادي الشفهي هو ـ مهما تعاظم أو تقدس ـ ذو تأثير محدود وبشري الأثر والمفعول، فالشفهي من أنفاس الإنسان وروحه التي يصطنعها أثناء الحديث من الفم.. من ذلك أستطيع أن افترض بأنه كان سائداً لدى العرب، مثلما كان سائداً لدى كثير من الشعوب السامية القديمة، حال من الوهم النفسي الجماعي الذي يترقى إلى كونه رهاباً شمولي الأثر لدى الأفراد والجماعات يمكننا أن نطلق عليه اسم(رهاب المكتوبات)، ورهاب المكتوبات هذا كان له أبلغ الأثر في صناعة الأسطورة وتكييفها وتفعيل أثرها الحي في الواقع المعاش ومفاعيل تلك الآثار على تطور الأقوام عموماً، وعلى العرب بصورة خاصة.. فما هو رهاب المكتوبات..؟
من كتابي قيد العمل: ” البحث عن دين مجهول”
معبد الحسون 22/ 2/ 2017
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
(1) ـ يظن بعض الباحثين بأن تحريم الزواج بين الأخوة والأخوات من الرضاع في اليهودية والإسلام يرجع إلى جذر أو عادة طقسية طوطمية.
(2) ـ ما يُذكر بالحديث النبوي: “تباعدوا لا تضووا”، ولعل مثل هذه العادات كانت عرفاً سائداً بين العرب قبل الإسلام.
(3) ـ وما تقديس البقر في الهند الحديثة إلا أثراً من آثار تلك الطوطمية القديمة.
(4) ـ في هذا الصدد يفترض بعض العلماء بأن القصة المروية عن بني إسرائيل بأنهم عبدوا العجل فور ابتعاد موسى وغيبته عنهم، إنما يرجح أنهم عادوا إلى عبادة كانت معروفة ومألوفة لهم منذ القديم، فاستغلوا فراغاً أحدثه غياب موسى، أو لعلهم ظنوا بأن الرجل قد فُقد ولن يرجع إليهم أبداً فاسترجعوا مأثوراً قديماً مألوفاً لهم، كذلك تشير بعض الآيات القرآنية إلى أنهم سألوا موسى أن يجعل لهم شجرة اسمها “ذات أنواط” كي يعبدوها لأنهم رأوا قوماً غيرهم يعبدونها{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قومٍ يعكفون على أصنام لهم قالوا ياموسى اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبرٌ ماهم فيه وباطلٌ ماكانوا يعملون} ـ الأعراف ـ والحديث المشهور أن النبي مرَّ على قوم يعكفون على شجرة تسمى ذات أنواط، فقال بعض الصحابة: يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.. إلى آخر الحديث..
(5) ـ يظن بعض الباحثين أن”الحجر الاسود” ربما كان في الأصل طوطماً أو له صلة بطوطم قديم.
(6) ـ يعرف أهالي مدينة الرقة ما كان متعارفاً عليه في فترة قريبة ماضية من تقديس لوعاء يسمونه(طاسة ويس)، موضوع عند أحد الأضرحة القديمة، ولقد ظلت لسنوات طوال موضع هيبة وتقديس شديد، مع الاعتقاد بأن لهذه الطاسة معجزات لاحصر لها، وكان قسم اليمين بها له توقير مثل أكبر المقدسات الإسلامية وأحياناً يفوقها توقيراً وتعظيماً.
(7) ـ شبيه ذلك طقوس التعميد، والرموز الكثيرة التي تنتشر على الرايات لدى الدول الحديثة، وعلى الأزياء الحربية والرتب العسكرية، كالنسر والعقاب والصقر والنجوم وغير ذلك.
(8) ـ لاحظ بعض المصطلحات الشائعة في كثير من المجتمعات الشرقية وحتى الغربية، التي تحرص على مخاطبة كل غريب بلقب: “عم وعمة، وخال وخالة”، وكل الشركاء في المجتمع بلقب: “الأخوة والأخوات”، وكل رجل متقدم في السن بلقب:”ياجدي”، ولعلها من رواسب الطوطمية القديمة، والرابط بينها هو ذلك الطوطم الذي تنتمي الجماعة إليه وتلتف حوله، ليكون حاميها والمدافع عنها في الملمات. ومن أصحاب هذا المذهب من لا يذكر اسم الطوطم، بل يكني عنه تهيباً وخوفاً أو ربماً احتراماً وتوقيراً، ونلحظ في مجتمعاتنا العربية خاصة، كثيراً من استعمال عبارات الخوف والتهيب في تكنيتنا عن الجن والعفاريت والأرواح الشريرة بأقوال من مثل:”الذين لا يُذكرون.. الذين تعرف من أعني بهم.. أولئك.. والتكنية عن مرض السرطان بعبارات:”ذلك المرض والعياذ بالله” تهيباً من لفظ اسمه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »