الرئيسية / الأخبار / الدولة الفاشلة

الدولة الفاشلة

رئيس التحرير 

واقع الأمر لا توجد دولة ناجحة تقابل موضوعياً دولة فاشلة، بل هنالك دولة حديثة حازت الخصائص التعريفية للدولة مقابل كيانات سلطوية متحكمة ببعض الكتل البشرية والمواقع الجغرافية، وقد تدثرت بدَثار خارجي له شكل الدولة وسماتها، وبعض مظاهرها الشكلية، وأمام هذا الاختناق اللغوي الذي لا يستطيع أن ينحت تعريفاً أو اشتقاقاً لتلك الكيانات، تم التوافق عالمياً على مصطلح “الدولة الفاشلة”.. مجازاً لغوياً، لاحقيقة باطنية فيها لأي معنى من معاني الدولة.

في الدولة الفاشلة لايوجد مواطنون بل رعايا؛ يتم تصنيفهم حسب درجة طواعيتهم: إما أفراد جيدون وطيعيون، وإما أفراد سيئون ومتآمرون.. وإما عشائر وتكوينات طائفية وعرقية جيدة ومحترمة حسب وجهة نظر السلطات، أوعشائر وأقوام بخلاف ذلك.. فالشعب حمولة زائدة ابتليت السلطة بها وبمشاكلها التي لا تنتهي، و”الأخوة المواطنون”هم كتلة من المهووسين المصابين بمرض عضال، لا تنتهي الالتزامات بأعبائهم.. وما على السلطة إلا أن تُفْرِغ على نفسها صبراً في احتمالهم، والتجلد وكسب ثواب رعايتهم، والسهر على غلاظتهم ومسالكهم التعيسة.

وفي الدولة الفاشلة الرجال دائماً أفضل من النساء والأطفال والشيوخ المسنين، والرجال المنتجون والمفيدون بالتأكيد هم أفضل من الرجال غير المفيدين وغير النافعين. والعساكر الذين يدافعون عن الحاكم هم بالتأكيد أفضل من المدنيين، وهناك دائماً جماعات أثيرة ومحببة، وجماعات كريهة ومثيرة للتقزز وتستدعي الإهمال والتجاهل، ومدن مقربة ومدن مبعدة، ومحافظات وفية ومحافظات عقوق، وبلدات ذات أخلاق وضمير وبلدات بلا وجدان، حسب مقدار تقييم السلطات والجهات المسؤولة عن سلم الأخلاقيات التي تتمتع بها كل قرية ومنطقة ومدينة.

وفي الدولة الفاشلة الاقتصاد في عموم الأحوال ريعي، وما تدخره الأرض من ثروات باطنية ونفط وغابات وزراعة هو رزق مجاني حلال يجب السيطرة عليه وإنفاقه، ثم احتسابه منجزاً وكسباً حققته الدولة الفاشلة في أبرز نجاحاتها وإنجازاتها المزعومة التي لاتحصى. وهي تنفقه على المباذل والترف الظاهري دون شفقة، وكأنه محصلة تخطيطها وكدها وناتج عملها الدؤوب. وفي الدولة الفاشلة لايوجد ميزانية أو ناتج قومي سنوي عام، بل هناك رقم ما.. يُعلَن على الملأ مطلع كل عام يسمى الميزانية،(بسبب الضرورات الشكلية) لا يعلم أحد كيف تحصل، ولا وفق أي معيار إنتاجي أو تنموي تحقق، وبالطبع لا أحد يتجرأ على السؤال عن هذه الميزانية، لا من أين أتت، ولا ماهي مواردها أو ضوابط صرفياتها. فالدولة الفاشلة لاتفعل أكثر من أن تجد عربة الوطن مقلوبة، فتبذل عشرات السنين لكي تقلبها على الجهة المقابلة.

وفي الدولة الفاشلة يصبح تحويل الوطن والشعب إلى كتلة من سديم هلامي يتبخبر بالتدريج أحدَ “وجهات نظر”الحزب وقائد الوطن، وتكون ابتسامة الحاكم في الصور مناسبة وطنية، وانتقال ابنه من روضة الأطفال إلى الصف الأول عيداً قومياً، وشراء زوجته للأحذية والفساتين مهرجاناً للمباهج والمسرات، ورؤيته وهو يقص الشريط الحريري لبرَّاكات جديدة في سوق الهال، مأثرة من مآثر الوطن يجب أن يُحتفى بها وتباشر بالنشيد الوطني واستعراض حرس الشرف.. حتى لو عاشت الدولة الفاشلة عقوداً من الزمن بلا شرف.

وفي الدولة الفاشلة يحصل الاهتمام بالآثار والسياحة وجمال الطبيعة؛ بما تزخر من شواطىء وجبال وغابات ووديان وبحيرات، وبالحضارة الحالية أو الغابرة بمقدار ما تدره من مال وكسب ريعي، فليس لدى الدولة الفاشلة وقت للتفكير في هذه التُرَّهات، أو إضاعة الوقت في هذه السخافات.”فالأجانب وحدهم من عليهم مهمة الاضطلاع بالتفكير والتحقيق والكشف والتنقيب وتوثيق ماكان وما يتوقع أن يكون”.. كذلك يكون إرهاب الناس واعتقالهم وتقتيلهم بالجملة”استراتيجية قومية”، ونصراً مجيداً ومؤزراً، وخطة دفاعية استباقية للدفاع عن الأمة، وكل موقف فردي أو جمعي غير مرخص هو حالة إعلان حرب شاملة على الوطن، غايتها”إضعاف الشعور القومي”، وقد يكون شريط أغنية لمنشد ملتزم عملاً تخريبياً يجب التصدي له بكل وسائل العنف المتاحة، والكتاب الملتزم والجاد(وأحياناً مقالة في صحيفة أو كاريكاتور)، هو نظير عدوان مباشر ومؤامرة على الأمة، يجب الاستنفار والتصدي له هجوماً ودفاعاً. وآمال الناس وأحلامهم ونواياهم يجب التفتيش عنها ورصدها بعناية، والتحقق من درجة خطورتها ومقدار السوء فيها حتى لو اضطُر الأمر إلى استدعاء قارىء فأل في الفنجان، أو ساحر(تشهد بصدقيته كل الفضائيات العربية)، ليميز خبيثها من طيبها..

وفي الدولة الفاشلة هنالك دائماً عدو شيطان يجب محاربته ودعوة”الأخوة المواطنين”إلى الحذر منه ومن خبثه ومن مكائده ضد الوطن والمواطنين، وإيجاد صلة دائماً بين المريبين من أعداء السلطة المشكوك بنواياهم، وبين مؤامراته التي لا تتوقف ولاتنتهي؛ ولو استمرت لعشرات العقود من السنين.. فهي دولة الرحيل إلى العدم؛ كلُّ الأحياء مجهولون، إلا من ارتضت السلطات أن تكشف عن قناع مجهوليته، وكل المخطئين مصيبين، والمصيبين مخطئين حتى تثبت المخابرات عكس ذلك، وعديمو القيمة قامات سامقة وشامخة وعملاقة، والهجرة أمل، والموت خلاص، والسجن راحة، والصمت الأبدي حكمة، والتزلف والنفاق فلسفة عميقة وبعد نظر، والجراءة في الحق سفهٌ وتهلكة، والتفكير مؤامرة، والبلادة والغباء مواهب لا تتحصل إلا بجهد وتعب، والتمرد على الواقع حكاية بلا بداية ولا نهاية.. والحرام والممنوع هو أصل الأشياء، والحلال المباح هو الاستثناء والمسموح به بموجب القوانين واللوائح، والنهب العام للوطن كوميديا وفرصة للفرفشة والتنكيت والضحك، والتزييف شطارة وخفة دم، والموت الشامل غموض وإثارة، والضياع والفشل والتدهور الجماعي والبوار الكامل للأفراد والأوطان أمر يدعو للأسف قليلاً..

الدولة الفاشلة هي عملية تجميع لكل قوة الشر الموجودة في الطبيعة، بعد إلباسها البهرج الجميل والزخرف الحسن.. وتسريح ذلك الشر في المواكب والمناسبات، والطلب من الناس التصفيق له وتعداد مافيه من جمال ظاهر أو كامن، وعشق هذا الشر والهيام به ما أمكن، وفي الدولة الفاشلة يؤرخ للزمان بمؤتمرات الحزب الحاكم ومناسباته، ولا يحتوي الزمان على قسمته المعهودة بوجود ماضٍ ومستقبل؛ بل مجرد أيام تُعَدّد، وليالٍ تمر، وسنواتٍ تعبر، وعمر يمضي من اللا معنى إلى اللا معنى.

الدولة الفاشلة عاقر عقيم؛ لا تلد إلا الخراب والبوار والمجاعات والكراهية والحروب الأهلية والموت الجماعي والشقاق بين كل مكوناتها، والشقاء المتوزع على الجميع بعدالة.. وحيث يَرحل الجميع أخيراً: الشعب إلى المقابر، وإلى المنافي ليهرب بما بقي له من دم وأهل وولد، والحكومات إلى البلاد البعيدة لتفر بجرائمها وبالمال العام الذي نهبته عبر عشرات السنين، فلا يبقى إلا الترابُ صابراً محتسباً.. ينتظر ولادة جيل جديد وشعب جديد.. ودولة فاشلة جديدة.. حيث ثمة في هذا الشرق مخزونٌ من الدول الفاشلة، وحيث”الذات”ليست دائماً شيئاً يقابل”الموضوع”، بل لعلها تكون أحياناً هي الموضوع، ويكون الموضوع هو الذات.. ذلك الشرق الصامت دائماً صمت القبور..منذ عصور ودهور.. لا لأنه أبكم لا يحسن الكلام، بل ربما لأنه لايقول كلمته إلا في المشهد الأخير .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »