د. رشيد الحاج صالح 

تتحضر الرقة هذه الأیام للدخول في صراع عسكري جدید للمرة الثالثة منذ بدایة الثورة, غیر أن ما یشغل أهل الرقة هذه المرة لیس الصراع العسكري شبه المحسومة نتائجه, وما سینتج عن ذلك من دمار وخراب سینال الرقة وسكانها, بل إلى ماذا سیفضي تحریر الرقة من داعش؟ وكیف سیكون شكلها في مرحلة ما بعد داعش؟ وهل ستكون جزءاً من أقلیم شمال سوریة الذي تشرف علیه قوات كردیة بتعاون محدود من عرب الرقة ؟

على الرغم من تنفس غالبیة أهل الرقة الصعداء لقرب الخلاص من كابوس داعش على الأرض, وویلات القصف الجوي للنظام وروسیا والتحالف من الجو, إلا أن وراء الأكمة ما وراءها.

المخاوف هذه المرة هي من حزب الاتحاد الدیمقراطي بزعامة (صالح مسلم (ومن یمثلهم), ووحدات حمایة الشعب الكردیة, ومن یتحالف معهم من عرب المنطقة تحت لواء ما بات یعرف بـ ” قسد “, وهي خلیط من فصائل عسكریة بقیادة كردیة تحارب تنظیم داعش في مناطق الرقة وشمال حلب والحسكة بدعم من أمریكا وقوات التحالف الدولي, وأحیاناً روسیا. وقد حققت قسد انتصارات عسكریة صریحة على داعش وأخذت منه مناطق واسعة حتى باتت تحاصره الیوم في الرقة.

هواجس أهل الرقة هي بسبب استراتيجیة صالح مسلم ومن یمثلهم، والتهمیشیة لأهل الرقة, واحتمالات أن تكون لدیه أحلام قومیة تدفعه لتغییر الجغرافیة السیاسیة والدیمغرافیة على الطریقة البعثیة التي عانى منها السوریون, مثلما عانى منها الأكراد أنفسهم لعشرات السنین.

حزب الاتحاد الدیمقراطي مثله مثل باقي الأحزاب الدیمقراطیة العربیة لا یعرف من الدیمقراطیة سوى الاسم, وهو یخضع لكارزمیة شخصیات محددة ( یقال أن غالبیتهم غیر سوریین ) تسیطر على الحزب من الخلف وتدیره بطریقة انفرادیة محض عسكریة.. الحزب لا یؤمن بالأكراد وبمصالحهم السیاسیة ولا بوجودهم كشعب له حقوق ووجود مستقل هو الذي یقرره بنفسه, بل یؤمن بتحویلهم إلى أداة لتحقیق مغامرات زعاماته, ومعاملتهم كرعایا عند صالح مسلم ومن یمثلهم, مرة أخرى على الطریقة الأسدیة التي ضحت بكل السوریین من أجل النظام.

التحالف الكردي الذي یقود ” قسد ” لم یلجأ إلى الأكراد لكي یستمد شرعیته منهم, لأنه یعرف أنه قد لا یمثل غالبیتهم, ولذلك بحث عن تلك الشرعیة عبر الاستقواء بأمریكا وروسیا وحتى النظام.

تحالفه مع أمریكا یقوم على خلفیة تبنیه للموقف الأمریكي من داعش ومحاربتها للإرهاب, ولذلك تدعمه أمریكا بكل الوسائل العسكریة واللوجستیة, وحتى بالجنود والخبراء الأمریكیین على الأرض. یعتقد صالح مسلم ومن یمثلهم أنه بذلك یحصل على دعم عسكري مهم یساعده في حربه ضد داعش, ویحد من خطر تركیا علیه بنفس الوقت.

أما تحالفه مع روسیا فیقوم على أن روسیا ضمنت له ولحلفائه حصولهم على ” منطقة حكم ذاتي ” في ظل نظام الأسد فیما لو تعاون مع النظام السوري إلى حدود معینة, ولذلك هو یتعاون مع النظام الأسدي مقابل دعم روسي وصل في بعض الأحیان حدود الدعم العسكري. وهنا أیضا یحصل صالح مسلم ومن یمثلهم على دعم دولة لها علاقات متوترة مع تركیا.

على الرغم من أن الأكراد شكلوا جزءاً لا یتجزأ من المعارضة, وأنشأوا لذلك المجلس الوطني الكردي, مثلما كانوا ممثلین فاعلین في المجلس الوطني السوري, وعلى الرغم من أن المدن والبلدات الكردیة كانت في طلیعة المدن السوریة التي خرجت منها المظاهرات, وعلى الرغم من أن الأسد الأب بقي یلعب بالورقة الكردیة حتى آخر یوم في حیاته, وعلى الرغم من تسلط المخابرات السوریة على الأكراد طیلة حكم عائلة الأسد, وعلى الرغم من تلاعبهم بالدیمغرافیة والجغرافیة السیاسیة على حساب الأكراد,

وعلى الرغم من قمع الأسد الابن لأحداث 2004 التي كان النظام مستعداً وقتها لإبادة الأكراد عن بكرة أبیهم، كما صرح أحد المسؤولین الأمنیین آنذاك). أقول على الرغم من كل ذلك إلا أن صالح مسلم ومن یمثلهم وجدوا في النظام حلیفاً مستقبلياً وشریكاً لمستقبلهم السیاسي, دون أي احترام حتى لشخص عبدالله أوجلان الذي یُعتقد أن حافظ الأسد سلمه لتركیا عام 1999 عندما طلب منه الخروج خارج سوریا وأعلم الأتراك بوجهته. ودون أدنى أحترام حتى لشهداء انتفاضة 2004 , ودون أدنى احترام لمئات الآلاف من الأكراد الذین حرموا من الحقوق المدنیة والجنسیة, والتي اضطر بشار لمنحها لهم بعد اندلاع الثورة مرغماً لا مختاراً.

الوضع الخاص للأكراد في سوریة سببه السیاسات الإقصائیة والتهمیشیة التي مارسها النظام الأسدي خلال نصف قرن من الزمان ضد الأكراد. في الحقیقة هذا وضع كل الشعب السوري الذي قسمه النظام إلى طوائف دینیة وجماعات قومیة وأخذ ینمي مخاوفها من بعضها البعض, ویكبت هویاتها الخاصة ویضیق على حقوقها السیاسیة والثقافیة بالقوة حتى تظهر تلك الهویات المكبوتة على شكل اندفاعات انفعالیة وعدوانیة, یقوم بتوجیهها ضد الفئات والجماعات الأخرى, الأمر الذي یسمح للنظام بخلق أعداء حقیقیین – هم في الحقیقة وهمیین – لكل جماعة ویأخذ یهدد الجماعة المتذمرة أو التي تحتاج لتأدیب بالجماعات الأخرى ـ هدد الأكراد بالعرب, والدروز بجیرانهم البدو , والمتصوفة بالسلفیین, ثم السلفیین بالمتصوفة, .. ). هي سیاسة التهدید لضمان الطاعة والمزید من الولاء

( فعل ذلك أیضاً مع المرشدیة في الساحل السوري عندما ترك فواز الأسد یضغط علیهم فأتوا إلى الأسد الأب طالبین الحمایة من ابن أخیه).

الیوم قوات ” قسد” على أبواب الرقة, والتحالف الدولي یضرب دون تمییز بین مدني وداعشي والمجازر تزداد یوماً بعد یوم. ولكن ذلك لا یهم صالح مسلم ومن یمثلهم لأنهم یعتقدون أن أمریكا ستسمح لهم بضم الرقة لإقلیم شمال سوریة, وهو أقلیم أنشأوه لیكونوا حكاماً بأمرهم علیه. غالبیة العرب المتعاونیین مع ” قسد ” هم إما شیوخ عشائر بال علیهم الدهر، ولم تعد لهم كلمة حتى على أولادهم, أو فلاحون بسطاء یبحثون عن ” الستر” والأمان, مستغلاً وجود عدد كبیر لم یتعلم من السیاسة سوى التصفیق وتقدیم الطاعة والولاء خوفاً من الحكام, وهو سلوك اضطر الریفیون السوریون لأن یُعوّدوا أنفسهم علیه تحت ضغط الأجهزة الأمنیة السوریة سیئة الصیت.

یرید صالح مسلم أن یحرر الرقة من داعش ویذهب للبیت الأبیض لیتم استقباله هناك استقبال الأبطال والفاتحین  )كانت الإدارة الامریكیة تستقبل بن لادن استقبالاً ممیزاً أثناء حربه مع الروس في أفغانستان قبل أن تنقلب الأمور عام 2001 وتقتله عام 2015، مثلما یرید أن یتحول مع من یمثلهم إلى زعیم تاریخي أو مؤسس لحركة نضالیة طویلة على طریقة عبدالله أوجلان, ولذلك فإنه لایرید أن یشرك أهل الرقة في تحریرها, لأنه لن یشركهم في إدارتها إذا استطاع إلى ذلك سبیلا, مثلما لم یشرك الأكراد أنفسهم في قراراته المصیریة.

المشكلة تتلخص في ثلاث قضایا:

الأولى: أن أكراد ” قسد ” لا یؤمنون بالدیمقراطیة وحق تقریر المصیر كأساس للحیاة السیاسیة وقاعدة یتم اللجوء إلیها لرسم مستقبل منطقة شمال سوریة. أكراد سوریة لیسوا أكثریة في أقلیم شمال سوریة, وأكراد شمال سوریة أغلبهم لا یعتقد أن صالح مسلم یمثلهم ,وهذا یعني أن صالح مسلم ومن یمثلهم لن تفیدهم الدیمقراطیة في شيء. ولذلك یعوِّل صالح مسلم ومن یمثلهم على دغدغة المشاعر القومیة لشعب اضطر للتخلي عن الكثیر من حقوقه تحت ضغط القوة, (هذا ما دفعه في بدایة الأمر إلى تسمیة أقلیم شمال سوریة بتسمیة كردیة في بدایة الأمر هي ” روج آفا” قبل أن تجبره أمریكا وأطراف أخرى على التخلي عن هذه التسمیة(

ثانیاً: أن كل الأطراف في خطر: العرب والكرد, طالما أن الأمور بید طغمة سیاسیة متحمسة لخوض مغامرات على طریقة صدام حسین والقذافي ومن لف لفیفهم. ولذلك فإن صالح مسلم ومن یمثلهم سیلجأون إلى نفس الوصفة الجاهزة: الاستقواء على الشارع الكردي عبر قطع طریق الرجعة علیه من البدایة وزرع بذور صراع مستقبلي مع جیرانهم العرب قد یمتد لسنوات طویلة, الأمر الذي سيؤدي إلى ارتهان الأكراد لصالح مسلم ومن یمثلهم بإعتبارهم المخلصین للشعب الكردي, والمدافعین عنه ضد أطماع الطامعین.

إن تعاون صالح مسلم ومن یمثلهم مع النظام الأسدي, وبنائهم لحزب الاتحاد الدیمقراطي على الطریقة البعثیة, واستقوائهم على الأكراد عبر زرع أوهام قومیة وجعلهم رهینة لها, یؤكد في النهایة أننا أمام تجربة تشبه تجربة القومیة العربیة مع حافظ الأسد وصدام حسین وباقي طغاة المنطقة, أي تحویل الشعوب إلى وقود من أجل أشغال المنطقة بصراعات لیس لها من هم سوى بناء أمجاد شخصیة وعنتریات أكل علیها الدهر وشرب.

في نهایة المقال نقدم ثلاث نقاط نعتقد أنها الطریق الصحیح لبناء علاقة كردیة عربیة سلیمة وطبیعیة وایجابیة:

أولاً: اللعب بالعواطف القومیة والانتماءات والهویات لعبة الطغاة, لا تجني منها الشعوب سوى الویلات والحروب, وهذا أول درس من دروس التاریخ. في العصر الحالي الانتماءات والهویات بدون مناخ دیمقراطي هي وسیلة للتكاره والتعصب لیس أكثر. وبالمقابل فإن الهویات والانتماءات تتحول إلى عامل ایجابي وبَّناء في ظل أجواء دیمقراطیة تسمح لتلك الهویات بالتعبیر عن نفسها بكل حریة. وهذا یعني أن على الأكراد قبل العرب مسؤولیة عدم ظهور صدام حسین كردي, وإلا سیكون مصیرهم ومصیرنا في غیاهب المجهول ورهین مغامرات سیاسیة طائشة.

ثانياً: إذا كان هناك من ظلم للأكراد وحیف سیاسي واجتماعي وحقوقي وثقافي وقع علیهم فهو من قبل النظام الأسدي ولیس من قبل أهل المنطقة الشمالیة, وهذه نقطة یجب أن تكون واضحة في ذهن الجمیع, وأولهم صالح مسلم ومن یمثلهم . ففي هذه النقطة إلتباس كبیر أقرب إلى المفارقة. فصالح مسلم ومن یمثلهم یتعاون وینسق مع مَنْ ظلم الأكراد لسنین طویلة, وبالمقابل یستقوي على أهل المنطقة الذین كان یستقوي النظام علیهم وعلى الأكراد من قبل. وهذا یعني أن توجیه مشاعرالاستیاء والشعور بالظلم لا یتم توجیهها على من مارس ذلك الظلم بل على من كان شریكاً بالظلم.

ثالثاً: لا یمكن تجاوز أهل الرقة, وشمال سوریة عموما, من حسابات مستقبل المنطقة ( درس الموصل خیر مثال ), وهذا سیجني ثماره صالح مسلم في مرحلة ما بعد داعش. الدعم الخارجي قد یذهب ویتبدل بتبدل الظروف والمصالح, ولذلك لا یعوَّل علیه إلا مرحلیاً. التعویل الحقیقي هو على الداخل, أي على أكراد وعرب المنطقة, والبقیة تأتي بعد ذلك.

كاتب وأكاديمي سوري