على الرغم من المخاوف الخليجية عموماً، والسعودية خصوصاً، التي سبقت وصول دونالد ترامب إلى رئاسة القوة العظمى في العالم، وما رافق حملته من تصريحات حول دول الخليج، إلا أن حرص الرئيس الأمريكي على أن تكون زيارته الخارجية الأولى للسعودية يظهر العمل الذي قامت به السعودية خلف الكواليس في المرحلة الماضية، في سعيها لأن تكون رئاسة ترامب فرصة لتصحيح الخلل في ميزان العلاقات السعودية الأمريكية، والذي نشأ بسبب استراتيجية الرئيس الأسبق باراك أوباما، حيث منح إيران موقعاً متميزاً فيها، على حساب السعودية، وهي الحليف التقليدي للولايات المتحدة.

لقد استفادت السعودية من رغبة ترامب في المضي نحو استراتيجية مخالفة لسلفه أوباما، ومن النزعة “الجمهورية” في عدم الانكفاء نحو الداخل الأمريكي، تلك النزعة التاريخية لدى الحزب الجمهوري التي تعطي الشرق الأوسط مكانة مميزة في الحسابات الأمريكية، وعملت السعودية على استثمار الكثير من علاقاتها داخل واشنطن من أجل بناء ترتيبات وتفاهمات مع إدارة ترامب، وتتويجها باتفاق تعتبره السعودية مهماً و”تاريخياً” بالنسبة لمستقبل المملكة، خصوصاً في ظل حالة الاضطراب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

في اليوم الأول لوصول ترامب إلى الرياض، وقّع البلدان 34 عقداً، بقيمة إجمالية تخطّت 380 مليار دولار، من بينها عقود تسليح، بقيمة وصلت إلى 110 مليار دولار، وقد وصف المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر صفقة الأسلحة هذه بأنها “الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة”، كما عدّ ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي الصفقة بأنها تأتي في سياق “دعم أمن المملكة والخليج في مواجهة التأثير الإيراني السيء، والتهديدات الإيرانية على طول الحدود السعودية “، وحول صفقة الأسلحة نفسها أعلن مسؤول في البيت الأبيض “أن هدف عقود التسليح تعزيز قدرات المملكة في المساهمة في عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة، ما يخفف من الثقل الملقى على القوات الأمريكية في تنفيذ تلك العمليات ” .

القضيتان الرئيستان في محادثات ترامب والقيادة السعودية هما إيران والإرهاب، فالمواجهة السعودية الإيرانية عبر الوكلاء وصلت إلى مستوى غير مسبوق، مع وجود تحالف إيراني روسي أسهم في إعطاء إيران أفضلية على ساحة الشرق الأوسط، وتحتاج السعودية إلى موازنة التحالف الإيراني الروسي، وضمان مستوى دولي من الردع، وهو المستوى الذي لا يمكن تحقيقه من دون الولايات المتحدة الأمريكية.

وتخشى السعودية، وفقاً لتقدير الموقف الراهن وآثاره في المدى المتوسط، من استنزاف إمكاناتها في الساحات الخارجية الثلاث )اليمن، سورية، العراق(، ومن أن يؤدي هذا الاستنزاف متعدد المستويات إلى عدم قدرتها على التعامل مع المشكلات الداخلية، خصوصاً أن السعودية تحاول أن تعالج تلك المشكلات عبر برنامج إصلاحي طموح، كان قد أطلقه الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، ووزير دفاع المملكة، من أجل تأهيل السعودية لعصر ما بعد النفط.

وفي ملف الإرهاب، وهو ملف حيوي لكل أطراف المنطقة، فقد أكد ترامب في كلمته أمام القمة الأمريكية الإسلامية في الرياض على دور حكومات المنطقة في مكافحة الإرهاب، والمساواة بين التطرف الشيعي والسني، وذلك باعتباره أن “حزب الله” يماثل “داعش”، وعاد ترامب إلى التأكيد على تصريحاته خلال حملته الانتخابية للرئاسة، بقوله:” أمريكا مستعدة للوقوف بجانبكم في البحث لتحقيق الأهداف المشتركة والأمن المشترك، لا يمكن لدول الشرق الأوسط أن تنتظر القوة الأمريكية لسحق هذا العدو نيابة عنها. يجب أن تقرر دول المنطقة المستقبل لنفسها وأبنائها ” .

ومن المتوقع أن تؤدي التفاهمات السعودية الأمريكية إلى تغيير في اتجاه بعض الملفات المتصلة بالإرهاب، وعلاقة الدول بالمنظمات الراديكالية، أو بتخفيض تأثير بعض الدول في ملفات المنطقة، وهو ما ظهرت أولى بوادره مع التشويش والغموض الذي ظهر حول تصريحات امير قطر، تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، ونفي قطر للتصريحات، واعتبارها أن ما جرى كان نتيجة اختراق إلكتروني تعرضت له وكالة الأنباء القطرية “قنا”.

من الواضح أن السعودية بشكل خاص، ومعها الإمارات، تريدان تخفيض دور قطر في دعمها لجماعات الإسلام السياسي، وهو الدور الذي تنامى منذ عام 2011 ، وتنوّع بين الإخوان المسلمين وفصائل مسلحة، منها “جبهة النصرة”، وهو ما ظهر جليّاً في اتفاق “المدن الأربع” الذي رعته قطر، ووقع عليه “حزب الله”، و”هيئة تحرير الشام”، التي تضم “جبهة النصرة”.

إن الثقل الأمريكي والسعودي في تخفيض الدورين الإيراني والقطري سيصبُّ من وجهة نظر السعودية في المضي نحو حل سياسي في سورية، وإعطاء الفصائل المدعومة سعودياً دوراً أكبر في المفاوضات، ما يجعل السعودية تضمن لنفسها مكانة في مستقبل سورية، وموقعاً مهمّاً في رسم سياساته، وبالتالي فإنه من المنتظر أن نرى نتائج التفاهمات السعودية الأمريكية في الملف السوري.

الأهداف السعودية من إبرام عقود بهذا الحجم مع الولايات المتحدة تتمثل في ثلاث نقاط رئيسة، وأولها ضمان الانخراط الأمريكي في إعادة التوازن لمنظومة الأمن والاستقرار في المنطقة، وثانيها موضعة السعودية نفسها في قيادة ملف مكافحة الإرهاب العالمي، بعد أن كانت إدارة أوباما قد حاولت تسليط الضوء على دور سعودي في تغذية الإرهاب، والهدف الثالث هو ضمان دعم أمريكي للتيار السعودي الذي يقود عملية الإصلاح الداخلية، ممثلاً بالأمير
محمد بن سلمان.

بالمقابل، فإن إدارة ترامب حقّقت من تفاهماتها مع السعودية مكاسب متعددة، وفي مقدمتها ضمان التعاون الخليجي عموماً، والسعودي خصوصاً، في محاصرة الدور الروسي في المنطقة، وفرض معايير على دول الخليج بما يخص مكافحة الإرهاب، وهو ما سيطال لاحقاً إعادة تأهيل المؤسسات الموجودة في السعودية، وخصوصاً المؤسسات الدينية، وبالإضافة إلى ذلك، فقد حقق ترامب أحد وعوده الانتخابية، المتمثل بمبدأ “الحماية مقابل المال”، عبر عقود مالية مجزية.

من المؤكد أن السعودية أصبحت أكثر ارتياحاً في ظل تفاهماتها مع الإدارة الأمريكية الجديدة، لكن يبقى سؤال التطبيق العملي لتلك التفاهمات هو الأهم، خصوصاً بما يتعلق بكيفية انعكاس تلك التفاهمات على تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، إذ أنه من الطبيعي أن تشعر تلك التفاهمات طهران بالقلق، ولن يكون من السهل عليها القبول بتقليص نفوذها، وهو ما قد يظهر إيراني اً عبر إعادة خلط الأوراق من جديد.

المصدر: مركز أسبار للدراسات والبحوث