صورة مأخوذة بواسطة القمر الصناعي، تظهر النقطة الحدودية التي تقوم السلطات الأردنية بإبعاد اللاجئين السوريين غير المرغوبين إليها، والتي تبعد مسافة (7 كم) من معبر نصيب الحدودي.

يواجه آلاف اللاجئين السوريين في الأردن، خطر الترحيل والإبعاد إلى بلادهم التي تطحنها الحرب منذ ستة أعوام، فخلال الأشهر الأخيرة ازدادت وتيرة عمليات طرد اللاجئين وإعادتهم إلى سوريا من قبل السلطات الأردنية وتحديداً إلى محافظة درعا في جنوب سوريا، حيث بات المبعدون يواجهون خطر الموت من جديد، بعد توفّر بيئة آمنة لهم في مخيمات اللجوء في الشمال الأدرني، وذلك وفقاً لما أكدّه مراسل سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في درعا.

عمدت السلطات الأردنية خلال السنوات الماضية وبالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى بناء عدة مخيمات لللاجئين السوريين شمالي البلاد، حيث يعدّ مخيم الزعتري أكبر تلك المخيمات، فهو يحتوي على أكثر من (80) ألف لاجئ سوري حالياً، وذلك بحسب آخر إحصائية نشرتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على وقعها الالكتروني. وبحسب الأخيرة فإنّ عدد اللاجئين السوريين المسجّلين لدى المفوضية بلغ أكثر من (650) ألف لاجئ على كامل الأراضي الأردنية. ولكن مع بداية العام 2014، بدأت تظهر عمليات طرد وإبعاد وترحيل الآلاف من اللاجئين السوريين من الأردن، لتزداد وتيرتها في الأعوام اللاحقة (2015 و 2016 و 2017). وهو ما لاحظه شهود عيان وعدد من سكان بلدة نصيب الحدودية، حيث يقع بالقرب من تلك البلدة، مايسمى “نقطة القذف”، حيث تقوم السلطات الأردنية بوضع اللاجئين “غير المرغوب بهم” في تلك النقطة ليتم استلامهم من قبل عناصر المعارضة السورية المسلحة وإدخالهم إلى الأراضي السورية.

صورة تظهر لاجئين سوريين تمّ ترحيلهم من قبل السلطات الأردنية بتاريخ 25 أيار/مايو 2017. وهي صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة.

الناشط “حسن حوراني” ابن بلدة نصيب الحدودية، أكدّ في شهادته لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة على أنه ومع بداية عام 2017 فقط، كان أهالي البلدة شهوداً على إبعاد مايقارب (90) لاجئ بشكل يومي، من بينهم عائلات مؤلفة من نساء وأطفال، أي أننا نتحدث عن حوالي (2700) لاجئ شهرياً. وتابع قائلاً:

“يتمّ وضع المبعدين في نقظة حدودية تبعد إلى الغرب من معبر نصيب مسافة (7كم) ، ثم يتم نقلهم بحافلات إلى مناطقهم في ريف درعا وإدلب. بعض أولئك المبعدين خسروا منازلهم نتيجة القصف والدمار الذي لحق بها، فاضطروا اللجوء إلى مخيم الركبان وهو أحد المخيمات العشوائية الواقع تماماً على الحدود الأردنية السورية.”

أضاف حوارني وأنّه لدى سؤال أغلب المبعدين عن أسباب إبعادهم، أكدّ العديد منهم على أن أنه ما تسميه السلطات الأردنية “مشاكل أمنية” أو عدم وجود تصاريح للعمل (تسمح لللاجئ بالعمل خارج المخيمات) هي من أبرز تلك الأسباب.”

صورة مأخوذة بواسطة القمر الصناعي، تظهر النقطة الحدودية التي تقوم السلطات الأردنية بإبعاد اللاجئين السوريين غير المرغوبين إليها، والتي تبعد مسافة (7 كم) من معبر نصيب الحدودي.

اتهامات مختلفة وراء عملية طرد وإبعاد اللاجئين السوريين من قبل السلطات الأردنية:

وفي سياق متصل، قامت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة بمقابلة بعض اللاجئين السوريين الذين أبعدوا مؤخّراً من الأردن، كان أحدهم اللاجئ “وائل الحسن” من بلدة الشجرة بريف درعا الغربي، والذي لجأ برفقة عائلته إلى الأردن عام 2012، وذلك عقب سيطرة التنظيم الذي يطلق على نفسه اسم “الدولة الإسلامية” والمعروف باسم تنظيم “داعش” على بلدته الأم، وفي شهر نيسان/أبريل 2017 قامت السلطات الأردنية بإبعاده وعائلته لأسباب رواها لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة:

“لجأتُ إلى الأردن وعملت في أحد المحلات التجارية في مدينة الرزقاء الأردنية، واعتدت أن أبعث لوالدتي وأخي الأصغر في سوريا مبلغ مالي متواضع نتيجة الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشان في ظلها، وبتاريخ 9 نيسان/أبريل 2017، وخلال زيارتي لأخي في مخيم الزعتري، جاء أحد عناصر الأمن الأردني وطلب مني الحضور لفرع المخابرات هناك، وتفاجأت عندما بدأ المحقق بتوجيه أسئلة لي تتعلق بالمبالغ المالية التي أرسلتها لسوريا، وإن كان لأخي الأصغر أية علاقة بجماعات متطرفة -علماً أن أخي لاينتمي إلى أي من الفصائل المسلحة- ولكن وفي نهاية الأمر قاموا باتهامي بدعم تنظيم “داعش”، وفي ذات اليوم تم إبعادي أنا وعائلتي وعائلة أخي الأوسط، وقاموا بوضعنا جميعاً على الحدود السورية الأدرنية، لننتقل بعدها إلى القرى الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية المسلّحة.”

عائلة وائل حسن وعائلة شقيقه هي مثال لمئات وآلاف العائلات الأخرى، حيث بدأت رحلة العائلتان في البحث من جديد عن أي مكان آمن قد يحميهم من الموت، ومع استحالة العودة إلى بلدتهما الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، لم يجدوا خياراً سوى التوجه إلى مدينة بصرى بريف درعا الشرقي، على الرغم من أن هذه المدينة مازالت تتعرض لأعنف عمليات القصف من قبل الجيش النظامي السوري وفق مراسل سوريون من أجل الحقيقة والعدالة.

صورة أخرى تظهر لاجئين مبعدين حديثاً من الأردن، أثناء دخولهم الأراضي السورية وذلك بتاريخ 25 أيار/مايو 2017 وهي صورة خاصّة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة.

أما اللاجئ “عمر البلخي” من مواليد (1985)، فقد لجأ إلى الأردن برفقة زوجته وطفلته مطلع العام 2014، هرباً من قصف الجيش النظامي الذي طال قريته الواقعة في ريف درعا الشرقي، إلا أن السلطات الأردنية قامت بإبعاده لأسباب واهية في شهر آذار/مارس 2017، وذلك وفق ما قاله لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، وأضاف:

“عملتُ كمدرس في إحدى المدارس التابعة للأمم المتحدة داخل مخيم الزعتري، إلى أن تم استدعائي من قبل ضابط المخابرات العسكرية في المخيم، وبدأ بالسؤال عن طبيعة عملي قبيل لجوئي إلى الأردن وعن أقاربي الموجودين داخل سوريا، ثم قام بذكر اسم أحد الأشخاص المعروفين من بلدتي، والذي لاتربطني به أية صلة قرابة، هذا الشخص كان في السابق ينتمي إلى “حركة المثنى” التي أصبحت مكوناً أساسياً من مكونات “جيش خالد بن الوليد[1] ” المبايع لتنظيم “داعش”، حيث اتهمني المحقق بعدها بعدة اتهامات لا أساس لها من الصحة، إحداها أنني كنت أعمل كإعلامي لصالح ذاك الفصيل المسلح، والأخرى أن أخي الأصغر ينتمي إلى “هيئة تحرير الشام”، وخلال التحقيق تعرضت للضرب والشتم، وفي اليوم التالي بتاريخ 3 أذار/مارس 2017، تم إبعادي وعائلتي وكان برفقتنا عائلات أخرى ينتمي غالبيتهم للقرى الواقعة تحت سيطرة تنظيم “جيش خالد بن الوليد”.”

وجدت عائلة “البلخي” نفسها بلا أي مأوى بعد طردها من قبل السلطات الأردنية، ولاسيما أن قرية المجيدل الواقعة في ريف درعا الشرقي والتي جاءوا منها، تعاني من موجة نزوح كبيرة نتيجة قصفها من قبل الجيش النظامي السوري بالمدافع والبراميل المتفجرة، فاضطرت العائلة للنزوح باتجاه مدينة الحراك بمدينة درعا، باعتبار أنها لاتتعرض لقصف الجيش النظامي السوري بشكل يومي، ووفق ماذكره مراسل سوريون من أجل الحقيقة والعدالة فإن العائلة تواجه حالياً ظروفاً معيشية بالغة الصعوبة.

صورة أخرى تظهر إحدى اللاجئات السوريات المبعدات حديثاً من الأردن برفقة أطفالها، أثناء دخولها الأراضي السورية بتاريخ 25 أيار/مايو 2017 وهي صورة خاصّة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة.

“الانتماء السياسي والعسكري” لأقارب اللاجئين يعرضّهم لخطر الإبعاد:

كان من بين ضحايا الترحيل القسري على يد السلطات الأردنية، اللاجئ أبو عمار الأحمد (60 عاماً)، وهو من ريف درعا، حيث قال في شهادته بأنّ السلطات الأردنية قامت بطرده مع عائلته وذلك بتاريخ 22 كانون الثاني/يناير 2017، بعد اعتباره مسؤولاً عن “توجهات ابنه السياسية والعسكرية”، حيث روى قصته قائلاً:

“في العام 2012، تخلّيت عن عملي كضابط في وزارة الداخلية السورية وقررت الانشقاق بسبب رفضي إطلاق النار على المتظاهرين السلميين، وبلا أي تردد لجأت إلى الأردن، حيث تم وضعي في مخيم الراجحي الخاص بالعسكريين، بينما وضعوا زوجتي وأبنائي الخمسة في مخيم الزعتري، وحتى أتمكن من البقاء معهم في المخيم، كنت أعمد شهرياً إلى تجديد إجازتي من المخيم العسكري بوجود كفيل أردني، وفي العام 2015 تقدم أحد أبنائي (حسن) بطلب العودة إلى سوريا، وعلمتُ فيما بعد أنه التحق “بهيئة تحرير الشام” في درعا.”

وفي منتصف شهر كانون الثاني/يناير2017، عاود الأمن الأردني استدعاء أبو عمار بغية التحقيق معه حول مسألة التحاق ابنه ضمن صفوف “هيئة تحرير الشام”، وعندما جاءت إجابات أبو عمار بعدم معرفة أي تفاصيل تتعلق بابنه حسن، طلب الضابط منه العودة إلى الخيمة دون أن يوجه له أي تهمة. وبهذا الصدد أردف أبو عمار قائلاً:

“بعد أسبوع واحد، استدعيت مرة أخرى من قبل الأمن الأردني، وعرضوا لي مقطعاً مصوراً يظهر فيه ابني مع مجموعة من المقاتلين خلال تلقيهم تدريبات عسكرية، وعلى الفور قام الضابط بإعطائي مهلة لاتتجاوز أربع ساعات، حتى أقوم وعائلتي بحزم أغراضنا، فقد اعتبرني مسؤولاً عن توجهات ابني الإرهابية، رغم أنني لم أعلم بمسألة التحاقه إلا بعد عدة أشهر، وضعنا على الحدودالسورية الأردنية، وبدأت المعاناة، فقريتي خاضعة لسيطرة الجيش النظامي ولا أستطيع الوصول إليها خشية الاعتقال، فلجأت إلى بلدة صيدا بريف درعا الغربي رغم أنها تتعرض لقصف مستمر من قبل الجيش النظامي السوري، بصراحة لا أعلم مامصيرنا الآن في ظل استمرار الحرب والدمار من حولنا.”

عدم امتلاك تصاريح للعمل قد يشكّل سبباُ آخر للإبعاد والترحيل

الشاب أحمد تيسير من مدينة انخل بريف درعا، تحدث في شهادة أخرى لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، حول قرار إبعاده من قبل السلطات الأردينة بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير 2017، وذلك بسبب عدم امتلاكه تصريحاً للعمل خارج مخيم الزعتري، رغم مرور عدة أعوام على لجوئه إلى الأردن منذ بداية العام 2013، حيث قال:

“عملت في مجال البناء في العاصمة عمان، وفي إحدى الأيام أوقفتني دورية تابة للأمن الأردني، طلبوا مني أوراقي الثبوتية وتصريح العمل، إلا أنني أخبرتهم بعدم توفر المال الكافي للحصول على تصريح العمل الذي تبلغ تكلفته (400) دينار أردني، ولم يمنعهم عذري من وضعي في السجن، وفي اليوم التالي تم نقلي إلى الفرع الأمني الخاص بمخيم الزعتري، حيث استقبلني المحقق بالإهانة والشتم، واتخذ قرار الإبعاد بحقي وحق عائلتي، فأجبرت على العودة إلى بلدة انخل حيث لا مكان هناك إلا للقصف والدمار، أعمل حالياً في بيع الخضار علي أوفر لقمة العيش لأطفالي الأربعة وسط الموت المحدق بنا من كل جانب.”

بعض الإحصائيات حول أعداد اللاجئين المبعدين خلال الأشهر الأخيرة:

أبو شريف محاميد قائد لواء “صقور الجنوب” التابع للمعارضة السورية المسلحة، والذي يشرف بالتنسيق مع السلطات الأدرنية على إدارة المعبر الحدودي منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر2016، قال في شهادة لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة:

“تنحصر مهمتنا في الحماية والتوثيق بالأرقام والأسماء لجميع اللاجئين العائدين لسوريا، وبوسعي القول أن أغلبهم كانوا من اللاجئين المبعدين قسراً من قبل السلطات الأردنية، فمنذ استلامنا إدارة النقطة الحدودية، تم تسجيل دخول مايقارب (200) عائلة مبعدة في كل شهر، وكل عائلة يتراوح عدد أفرادها من ثلاثة حتى اثني عشر شخصاً، في حين تم توثيق أسماء (1100) شخص من المبعدين قسراً، خلال الفترة الممتدة بين 8 نيسان/أبريل 2017 وحتى 9 أيار/مايو 2017.”

“ورغم أن الأردن لا يعد طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 أو بروتوكولها لعام 1967، إلا أن الأردن ملزم بمبدأ القانون الدولي العرفي بأنه لا يتوجب على الدولة إجبار اللاجئين أو طالبي اللجوء على العودة أو إرجاعهم إلى دولة فيها خطر أن تكون حياة الشخص أو حريته مهددة أو حيث قد يواجه خطر التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة[2].”
[1] تمّ تأسيس”جيش خالد بن الوليد” في أواخر شهر أيار/مايو 2016 في منطقة حوض اليرموك، إثر القتال الدائر بين تشكيلات المعارضة المسلّحة السوريّة والمجموعات المتهمة بالانتماء لتنظيم “داعش” وذلك بعد نجاح تشكيلات المعارضة المسلّحة بحصر هذه المجموعات في مكان جغرافي واحد، ويضم التشكيل خمس جماعات وهي (لواء شهداء اليرموك وحركة المثنى وسرايا الجهاد وكتيبة حمزة أسد الله وجماعة أنصار الأقصى).

هيومان رايتس وتش، تقرير بعنوان: الأردن- إعادة لاجئين مستضعفين إلى سوريا قسرا، 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2014. للإطلاع على كامل التقرير يرجى الضغط على الرابط التالي:

https://www.hrw.org/ar/news/2014/11/24/264849

سوريون من أجل الحقيقة والعدالة