الرقة بوست – عبدالرحمن مطر

لم تثر مشاهد السوريين الذين شردتهم مقذوفات طائرات التحالف، و الهجمات المتبادلة بين داعش وقسد، في الرقة وأريافها ، اهتمام وسائل الإعلام في العالم، أو حتى نشطاء الثورة السورية، بالصورة التي انشغل فيها بصور مشردي عين العرب/ كوباني. بلا شك مسألة الأقليات تثير رغائب تضامن خبيئة، بغض النظر عن البعد الإنساني والقانوني لما يتعرض له هؤلاء السكان. لكن معايير المتابعة وتسليط الضوء تختلف جذرياُ، ما ينسف حضور الضمير الإنساني، حين يتعلق الأمر بهؤلاء المدنيين العزل أبناء الأرياف .. “الشوايا” الذين اضطهدهم النظام الأسدي طوال نصف قرن، وحرمهم من التنمية، ثم سيطرت على مقدراتهم داعش بالترهيب والنار، وألصق بهم “أقليون قوميون مغرضون” صفة الحاضنة الشعبية لداعش، ثم هاهم يُتركون في العراء، مشردين في البراري، وإما وقوداُ في معركة بين طرفين متطرفين محتلَيْن، وإن لم يتساويا في قوة القتل والتهجير واستعباد الناس والجغرافيا، لكن لكل منهما مآثره التي تجعله قريباً من الآخر الى درجة ” وجهين لعملة صدئة “.
الحقيقة ان معركة تحرير عين العرب/ كوباني، خضعت لتغطية إعلامية منظمة، جدية ومسؤولة من قبل فريق من النشطاء والإعلاميين الأكراد، نجحوا في عملهم، وتمكنوا من تسويق القضية بشكل ملائم، كما يريدون، وكانت وسائل إعلام الغرب والشرق تتلقف المواد التحريرية والبصرية التي كانت تبث بمهنية عالية. وقد شكلت صور نزوح السكان الكورد، عنواناً بارزاً لقضية انسانية. لكن ما يجري في الرقة ودير الزور، منذ عامين على الأقل، من استهداف للمدنيين، وتهجيرهم، لم يحظ حتى باهتمام السوريين انفسهم، بما فيها مؤسسات المعارضة ( الائتلاف والحكومة المؤقتة ) ثمة تجاهل مثير للقلق، يعكس اللامبالاة والإهمال، والعجز أيضاً.
لقد شكلت عمليات القصف الجوية العشوائية لنظام الأسدية، منذ تحرير الرقة في مارس 2013، استهدافاً منظّماً للمدنيين، في أحيائهم السكنية، في مركز المدينة، كما في كبريات حواضرها وتجمعاتها الحضرية الأساسية. أدى ذلك الى بدء عملية تهجير واسعة لأهالي المدينة، وللمهجرين الى ريف الرقة الشمالي والشرقي منه بصورة خاصة.
ثم لم تلبث أن انضمت التنظيمات المسلحة الى عوامل تهجير السكان بسبب السياسات القمعية التي أدارت بها المحافظة، عبر الإجراءات والسلوكيات التي فرضت شروطاً قاسية ومريرة على المجتمع بهدف إخضاعه لسيطرتها، وتمثلت على التوالي بأحرار الشام، وجبهة النصرة، ثم داعش التي ورثتهما ونشرت ظلاميتها على المحافظة ومارست إرهاباً منظماً بحق المدنيين ( القتل والخطف ) دون أي اسثناء، بما فيها انتهاك الحرمات المقدسة.
أدى ذلك بدءاً الى خروج مكثف للنشطاء المدنيين، ومع تصاعد عمليات القصف الجوي للنظام الأسدي، ولقوات التحالف الدولي، وقوات قسد، بدأت مئات الأسر فيما يشبه نزوحاً جماعياً متواتراً مع تكرار استهداف الأحياء السكنية، دون أن يقود ذلك في حقيقة الأمر الى تضرر داعش، أو تفكيك بنيتها التي كانت قابضة على المدينة وأريافها كاملة، بقوة الترهيب والبشاعة الإجرامية طوال أربعة سنوات.
تطورات معركة الرقة تبدو بصورتها الراهنة، في ظل اختلال الموازين بين الأطراف المتقاتلة على أرض السوريين، وكأنها تهدف لإحلال قوة احتلال جديدة، تطرد داعش، بحكم سياسة واشنطن بدعم ميليشيا صالح مسلم، ودون الأخذ بمحاذير ذلك على المنطقة.
في جميع المناطق التي نجحت فيها قسد بطرد داعش ( او دفعها لانسحاب شامل وفق تفاوض معها ) من بلدان شرق الفرات: جرابلس ومنبج كمثال، احتاجت الى حملات الجيش الحر لطرد ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية منها.
فيما تزال تجربة السيطرة على شمالي الرقة / تل أبيض وما جاورها، قائمة حتى الآن، ولاتزال بي دي، تمارس سياسات تعسفية كقوة امر واقع احتلالية، دون حرج منا في التسمية، قامت بتهجير الآلاف، وصادرت ممتلكات كثير من الأهالي بتهمة الدعشنة، فيما لاتزال تمنع عودة المهجرين الى بيوتهم في سلوك مثالاً. فيما تخضع مخيمات النازحين من الرقة الى اجراءت الاحتجاز الجماعي.
فيما تبقي قيادات قسد على إضعاف استراتيجي للواء ثوار الرقة من حيث التسليح والدور. وعلى الرغم من انطلاقة معركة الرقة ، في ظل رفض أميركي لأي دور إقليمي، خاصة تركيا، يمنح ميليشيا صالح مسلم دوراً تابعاً متفرداً في التحكم في الأرض والبشر، دون إشراك حقيقي لسكان المنطقة، على الرغم من إحداث مجالس محلية صورية، لا أكثر.
ومع اشتداد حدّة القصف الجوي، والقصف المدفعي من طرف قسد، الذي يدمر البنى التحتية بشكل منظم، و يطال المدنيين بشكل يومي، تزداد أعداد المهجرين و تتضاعف معاناتهم.
هذه الإشكاليات تعقد من الموقف العسكري والسياسي معاً لوضع الرقة، فيما لم يقدم اي طرف ضمانات، او اهتماما ما، بحماية المدنيين من التهجير وارتكاب المجازر، بما يحقق غايتين أحلاهما مرّ: إما تسليم الرقة من قبل صالح مسلم للنظام كما حدث في مرات عديدة آخرها كلية المدفعية في حلب،( حتى الآن تمنع واشنطن النظام من الاقتراب)، او أن تبقيها تحت حكم البي دي لفترة وجيزة يتم خلالها انجاز تغيير ديمغرافي تعمل على تحقيقه أطراف كردية..لا تجد معارضة مباشرة من أطراف إقليمية ودولية مثل روسيا وإيران والولايات المتحدة، لأهداف ومصالح يستخدم فيها الكورد – كما غيرهم – لمرحلة مؤقتة.
مسألة طرد داعش من الرقة، أضحت قاب قوسي او أدنى، ليس بفضل المعارك التي خاضتها قسد، وكما هو معروف أنها لم تتمكن من التقدم قيد أنملة دون دعم عسكري مباشر من قوات التحالف، وأن التفاوض والاتفاق مع داعش بالانسحاب وفتح ممرات إخلاء آمنة لها، وعمليات القصف الجهنمي خلال الأيام الأخيرة، هو ما قاد اليوم الى تفتت داعش في الرقة، وانهيار سلطتها، وبالتالي خروجها.
ليست لدينا، أية مشكلة مع القوى التي تشارك في طرد داعش والقضاء عليها. ولكن مشكلتنا في أن قسد، بقيادةالارهابي صالح مسلم، قامت بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين السوريين، منذ بدء عملية غضب الفرات، وأضحى ذلك سلوكاً يخدم أهدافها في إفراغ المنطقة – ما أمكن من سكانها العرب، وإحلال أكراد قادمين من مناطق أخرى، والاستيلاء على املاك الغير بالقوة، ومنع عودة المهجرين، وفرض مجالس محلية جلّ أعضائها من خارج الرقة، ومن خارج صفوف الثورة.
الأهمية اليوم لطرد داعش، وفي الغد أي قوة ستعمل على فرض إجراءات بقوة الأمر الواقع، لن يُقبل بها، وهي قوة احتلال.. لن تدوم طويلاً، والمصالح الإقليمية مع الولايات المتحدة سوف تاخذ سياقها الطبيعي / استراتيجياً، وسوف يجد صالح مسلم نفسه خارج الخدمة قريبا.

عبد الرحمن المطر كاتب وروائي سوري.