لم يستبعد وزير الخارجية الألمانية زيغمار غابرييل، إمكان أن يتطور الخلاف الخليجي حول قطر إلى حرب. الوزير الألماني لم يعدد نطاق هذه الحرب المفترضة، لكن موقع “غازيتا” الإلكتروني الروسي، وفي مقالة لهيئة التحرير، تخطى توقع الوزير الألماني، وقال إن هذا الصراع ينطوي على إمكان تحوله إلى حرب عالمية ثالثة. وأشار إلى أن هذه الأزمة هي بمثابة تذكير جديد لروسيا بأن الحرب في سورية ليست حلقة منفصلة، بل هي “جزء من عمليات عالمية متفجرة، أكثر اتساعاً بكثير”.

ويرى الموقع، أن قطع العلاقات الدبلوماسية المتزامن مع قطر من قبل عشر دول في “الشرق الأوسط السني”، قد فجر”الأزمة الدبلوماسية الأكبر في المنطقة منذ بداية هذا القرن”. وهذا ما رفع بشكل حاد خطر تحول الشرق الأوسط إلى مركز للحرب، ليس على صعيد المنطقة فحسب، بل وعلى صعيد العالم ككل. وهي مخاوف متشابهة، مع تلك التي أثارها، في حينه، الصراع في الدونباس إبان أكثر مراحله تأزماً.

مثل هذه الصراعات الدبلوماسية بين الدول السنية اندلعت سابقاً، لكن ليس في ظل “مثل هذا الوضع الخطير”. فالعالم الإسلامي تجتاحه هذه المرة موجة من الصراعات المسلحة، من سوريا إلى العراق إلى اليمن إلى ليبيا، مع بعض التحفظات على الأخيرة. وجميع المشاركين في الصراع الدبلوماسي الجديد مرتبطون بهذه الحروب. إضافة إلى ذلك، فقد أُعلن عن حصار اقتصادي لقطر، والمملكة العربية السعودية تشكل الممر البري الوحيد بالنسبة لها، الذي تحصل عبره على المواد التموينية براً. كما أن قطر قد أصبحت الدولة الإعلامية الأكثر أهمية في المنطقة، من خلال إقامتها لقناة “الجزيرة”، الوسيلة الإعلامية الأشد تاثيراُ في العالم الإسلامي.
أما في ما يتعلق بروسيا، فهي منخرطة مباشرة في هذا الصراع. فقد بادر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الإتصال على الفور تقربباً، إثر قطع العلاقات الدبلوماسية ، مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. ورفض الأمير الذهاب إلى الولايات المتحدة، معللاً ذلك بعدم الرغبة في مغادرة البلاد قبل رفع الحصار عنها، إلا انه أرسل وزير خارجيته إلى موسكو. وهكذا أصبح “بلدنا” منخرطاً في عملية المشاورات الدبلوماسية حول قطر، وذلك إضافة إلى العبء السوري التقليدي.

كان المواطنون الروس العاديون ينظرون، حتى الآن، إلى الحرب في سوريا بأنها حرب بعيدة وغريبة عنهم، ولا تخترق فضاءهم الإعلامي سوى بالأنباء المحزنة عن بعض الذين يقتلون من الخبراء العسكريين الروس، أو عبر الريبورتاجات الصاخبة عن نجاحات جيش الأسد والحفلات في تدمر. وحتى الأعمال الإرهابية، التي طاولت الطائرة الروسية في مصر ومحطة المترو في سان بطرسبورغ، لم تدفع الروس إلى اعتبار مشاركة روسيا في الصراع السوري بأنه قد رفع من مستوى التهديد للأمن القومي الروسي. والغالبية العظمى من “مواطنينا الروس” لا تدرك، حتى الآن، أن الحرب في سوريا ليست سوى “جزء صغير من المعركة الطويلة والمعقدة من أجل الهيمنة في العالم الإسلامي، وأن أعمال روسيا في سوريا تجعلنا أحد الأطراف المشاركة في هذه المعركة، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج”.

من جانب آخر، تحارب روسيا في سوريا بالتحالف مع “إيران الشيعية ونظام بشار الأسد العلوي القريب من إيران”، وهؤلاء هم أعداء مزمنون لبلدان الخليج السنية، التي قطعت علاقاتها مع قطر، بما في ذلك بسبب الإشتباه بـ”خيانتها” بإقامة علاقات سرية مع إيران. والأعمال الإرهابية غير المسبوقة، التي طاولت إيران في 7 من حزيران/يونيو الحالي، تشير إلى الخطورة القصوى لهذا الوضع. وما يزيد من خطورة هذا الوضع، بالنسبة لروسيا، هو أن غالبية مسلميها من السنة، الذين يحارب ضدهم جيش الأسد مع العسكريين الروس.

منذ ايام عديدة، حذرت قيادة “الدولة الإسلامية” أنصارها في الغرب من التواجد في الأماكن العامة المستهدفة من قبلها. وكانت روسيا في عداد البلدان التي ورد ذكرها في هذا التحذير. ولا بد من النظر إلى هذا التحذير بمنتهى الجدية، لأن “الدولة الإسلامية” تعلن، بكل طيب خاطر، عن مسؤوليتها عن أي عمل إرهابي، وترفع لافتتها فوق أي جريمة ترتكب باسم الشعارات الإسلامية المتطرفة.

إذا ما حاولت روسيا إقامة تحالف ما في الشرق الأوسط مع قطر وإيران وتركيا، فمن المحتمل جداً أن تتصاعد الدعوات إلى “الجهاد” داخل روسيا نفسها. فهل يدرك المسؤولون الروس اليوم أن معنى جملة “كسب الحرب في سوريا” يصبح أكثر وأكثر غير مفهوم بالنسبة لجميع المشاركين غير المباشرين في الصراع؟

وحتى لو تمكن الأسد من الإحتفاظ بالسلطة في سوريا، فإن هذا لا يضمن الأمن بالنسبة لروسيا نفسها. إضافة إلى ذلك، فإن النصر العسكري الشكلي على “الدولة الإسلامية”، وهو نصر واقعي كلياً، فإن الأمر سيؤدي إلى انفجار الإرهاب في أجزاء أخرى من العالم. فالمجموعات الإسلامية المهزومة، سوف تنتقل، على الأغلب، إلى تكتيك “Point terror” إرهاب المواقع، وسوف يعود المتطرفون من المعسكر الإشتراكي السابق إلى اوطانهم.

سوريا ليست سوى مسرح واحد من مسارح عمليات القتال في الحرب الكبرى بين المسلمين. وقد انخرطت روسيا في هذه الحرب، بسبب رغبتها، على الأغلب، في العودة إلى عداد الدول العظمى ومحو الأثر السلبي عليها في العالم الذي تركته أوكرانيا. إلا أن الصراع في الشرق الأوسط هو أعمق بكثير من مأزق الدونباس، وبالتاكيد أطول منه.

الأزمة حول قطر تمنح روسيا فرصة أخرى لوقف المجابهة الخطيرة جداً، والتي لا معنى لها، مع الغرب ومع جزء من العالم الإسلامي. وعلى جميع الدول الطامحة إلى لعب دور اللاعبين الدوليين، أن تتوقف عن تقسيم الإرهابيين إلى من يخصونها ومن هم غرباء بالنسبة لها. وطالما أن “الدول العظمى” لم تتوقف عن استخدام المتطرفين، من مختلف الألوان، في ألعابها الجيوبوليتيكية، فإن الشرق الأوسط سوف يبقى بؤرة الخطر الرئيسية، التي يمكن أن تفضي إلى حرب عالمية ثالثة بكل ما للحرب العالمية من معنى.
المدن