تحققت اختراقات عسكرية مهمة على طول خطوط القتال بين تنظيم “الدولة الإسلامية” و”قوات سوريا الديموقراطية” التي يدعمها “التحالف الدولي”، بعد أسبوع واحد من بدء المجابهة المباشرة في عملية “تحرير” الرقة. ونجحت “قوات النخبة” المتحالفة مع “قسد” في التقدم من الجهة الشرقية للرقة، وتمكنت من السيطرة على حي المشلب، وصولاً إلى مقام الصحابي أويس القرني وباب بغداد الأثري، وحارة المختلطة بما فيها “المنطقة الصناعية”. وتشتبك “النخبة”، التي يتزعمها رئيس “الإئتلاف” الأسبق أحمد الجربا، الآن مع مقاتلي “داعش” المتمركزين في الأحياء الواقعة داخل المدينة القديمة، المُحاطة بسور أثري مبني من اللبن يرجع إلى العصر العباسي. وباتت “قوات النخبة” على مسافة تقل عن كيلومترين من وسط المدينة.

ونجح إنزال مظلي أميركي في منطقة مساكن “شركة ساريكو” في كسر دفاعات تنظيم “الدولة” شمالي المدينة، بالإضافة إلى سيطرة “قسد” على أجزاء من “الفرقة 17” ومعمل السكر إلى الشرق منها. ومن الجهة الشمالية الغربية وصلت طلائع “قسد” إلى مفرقي الجزرة والسباهية، المتجاورين، وهما آخر الأحياء العشوائية المحيطة بالمدينة، ويفصلهما عن التوسع العمراني الحديث للمدينة أوتوستراد يربط شمالي الرقة بجنوبها وأتوستراد حلب-الرقة-ديرالزور عبر الجسر الجديد.

وما يثير الانتباه أن الجبهة الغربية الجنوبية، باتجاه البادية “الشامية”، هادئة تماماً. وهذه المنطقة تشمل الريف المجاور لمطار الطبقة العسكري وقرية السحل، مسقط رأس والي تنظيم “داعش” في الرقة علي موسى الشواخ. هذا الهدوء ربما تفسره محاولة الأميركيين و”قسد” كسب قلوب الناس هناك، لما يحمله ذلك من رمزية تساهم في ترتيبات ما بعد “داعش” في الرقة.

هذا التقدم على الأرض قلّص رقعة سيطرة “داعش” في المدينة إلى أقصى حد لها منذ مطلع العام 2014، فانحصرت في صندق مفتوح لا يزيد طوله من الشرق والغرب عن 10 كيلومترات، فيما لا يزيد عرضه عن 6 كيلومترات في أحسن الأحوال. الصندوق المفتوح نحو نهر الفرات، من الجهة الجنوبية للمدينة، سيبقى مفتوحاً ربما لإتاحة الفرصة لتسلل مقاتلي التنظيم نحو البادية وديرالزور أو لانسحاب قد يُتفق عليه ويجري في أي لحظة وفق ما تُشير إليه المعطيات العسكرية على الأرض والتكتيكات المعمول بها بين التنظيم و”التحالف”. إذ قد تُعقد تسويات اللحظة الأخيرة ويتم فتح طريق لإجلاء المقاتلين، كما حدث سابقاً في الطبقة والمنصورة، في ريف الرقة الغربي.

حصر القتال ضمن هذه الرقعة الضيقة، قد يحد من أهمية وفعالية أساليب القتال التقليدي، كما قد يُقلص استعمال السلاح الثقيل، وخاصة مدفعية الميدان والهاون التي تسببت حتى الآن بأكبر الأذى للمدنيين في أحياء وسط المدينة، لصالح حرب المدن وتكتيكاتها من مفخخات وكمائن وعمليات قنص.

وكانت تكتيكات الطرفين، المهاجم والمدافع، قد بقيت على حالها منذ أن أطلق “التحالف الدولي” ما عُرِفَ بـ”عملية العزم الصلب” ضد “داعش” في أيلول/سبتمبر 2014. إذ يفتح طيران “التحالف” طريق التقدم أمام القوات الأرضية عبر استخدام تكتيك الأرض المحروقة، ما يدفع مفارز “داعش” إلى التشتت أو الهرب، بينما تبسط القوات الزاحفة نفوذها بالتدريج. وتحدث استثناءات من حين لآخر يقوم فيها التنظيم بعمليات التفاف يستخدم فيها انغماسيين أو سيارات مفخخة لإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف العدو أو تأخير تقدمه، وهذا ما حدث قبل يومين في حي المشلب، شرقي مدينة الرقة، وبالقرب من مدرسة حطين داخل المدينة.

إلّا أن الجديد في أدوات “التحالف” في معركة الرقة هو استخدامه لثلاث مرات حتى الآن قنابل الفوسفور الأبيض. “التحالف” اعترف الإثنين باستخدام هذا السلاح المحرم دولياً، لكنه برر ذلك بأن “قانون النزاع المسلح” يقول: “يُسمَح باستخدام طلقات الفوسفور الأبيض للتعيين والإخفاء والتعليم بطريقة تراعي بشكل كامل الآثار الجانبية على المدنيين والمباني المدنية”.

في هذه الأثناء لا تكاد سماء مدينة الرقة تخلو من طيران “التحالف” الحربي، الذي دمَّر خلال الساعات الماضية مبنى سكنياً من أربعة طوابق في الجزء الغربي من المدينة، من دون ورود أنباء عن أساب الاستهداف أو الخسائر البشرية الناجمة عنه.

وعلى الصعيد الإنساني، تزداد أوضاع المدنيين سوءاً مع الانقطاع الدائم والكلي للكهرباء وفقدان معظم المواد الغذائية والارتفاع الهائل لإسعاد مواد الطاقة وشح الأدوية وفقدانها من الصيدليات. وتوقف القطاع الطبي نهائياً عن تقديم خدماته باستثناء مستشفى وحيد يعاني نقصاً كبيراً في الكادر البشري. وما زاد الأمور سوءاً أن مقبرة المدينة في تل البيعة، أصبحت تحت سيطرة “قسد” ما اضطر الأهالي إلى دفن قتلاهم في الحدائق العامة؛ حديقة “7 نيسان” وفي حرم “قصر البنات” الأثري.

ويسقط نحو 20 مدنياً، قتيلاً يومياً، داخل الرقة، منذ بدء اقتحام المدينة في 6 حزيران/يونيو. وقالت حملة “الرقة تذبح بصمت”، الثلاثاء، إن “قوات سوريا الديموقراطية” قامت “بتهجير من تبقى من سكان حي المشلب إلى مخيم عين عيسى شمال الرقة”، وسط أنباء عن إقامة مركز اعتقال ضخم أنشأته بالقرب من بلدة عين عيسى في الريف الشمالي. الأمر الذي يوحي بأن المعركة داخل المدينة قد تطول، كما يثير مخاوف الأهالي من عمليات سلب ونهب وحرق لبيوتهم وممتلكاتهم سبق أن حدثت أعمال مشابهة لها في سلوك وتل أبيض وحمام التركمان، في ريف الرقة الشمالي في حزيران/يونيو 2015 وفي عدد من قرى وبلدات محافظة الحسكة قبلها ببضعة أسابيع.

الأنباء المتواترة عن تعيين التنظيم قائداً عسكرياً جديداً للرقة يحمل الجنسية الأميركية، ويُكنى “أبو حمزة”، هو أمرٌ يُفهم منه أن التنظيم حسم أمره في إطالة أمد معركة الرقة، إذ يُعرف عن المهاجرين ميلهم إلى الاستشراس في القتال والمواجهة، فيما يميل نظراؤهم المحليون إلى عقد المصالحات وإلقاء السلاح. كما يبدو، من جهة أخرى، أن التنظيم يرغب في اقتناص رمزية الموقف، حيث يقود أميركي المواجهة الأخيرة في الرقة ضد قوات تديرها بلاده ويُشكِّل جنودها نسبة لا بأس فيها من القوام البشري للقوات المهاجمة، لأول مرة في سوريا.