رشيد الحاج صالح

زمن الثورات هو زمن التحولات في كل شيء، غير أن التحولات في القيم والأفكار والقناعات من أصعب أنواع التحولات، ولذلك تستغرق وقتًا طويلًا، وكثيرًا ما تأتي متأخرة على الرغم من أنها تأتي في النهاية، وهنا تكمن النتائج الحقيقية لأي ثورة من الثورات.

الثورات ليست مجرد صراع سياسي على مصالح بين شعوب، تعاني من مرارة الظلم والقهر وانعدام الكرامة، وبين أنظمة فاسدة تسرق وتنهب كل ما تجده في طريقها، بل هي -خاصة في مراحلها اللاحقة– ثورة في العقل والقيم والأفكار، تُعيد النظر في كل ما كان من أفكار مسببة. النظام الأسدي ما كان له أن يبقى كل تلك السنين لو لم يخلط أوراق السياسة في ذهن السوري، ويمارس عليه عميلة تمويه وخداع وكذب استمرت نحو خمسين سنة، مُسخّرًا كل الوسائل الإعلامية والتربوية والدراما والجامعات والمراكز الثقافية وخطب الجمعة في الجوامع؛ لخلق مفهوم للسياسة يخيفنا من بعضنا البعض أولًا، ويُسهّل تحكّمه بنا ثانيًا، ويحشو عقولنا بمفاهيم ليس لها أي تحقق في الحياة العامة ثالثًا.

المشكلة التي نود تسليط الضوء عليها هنا هي أن هناك عددًا لا بأس به من السوريين بقي يُمارس السياسة ويفهمها بطريقة ليست بعيدة كثيرًا عن الطريقة التي فصَّلها له النظام الأسدي؛ الأمر الذي يعني أن “السوري الجديد” اليوم مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى تجديد وعيه بالسياسة، إلى حد إجراء قطيعة مع السياسة كما قدّمها له النظام الأسدي، بالقوة الناعمة، عبر سلسلة من الخدع التي كبّلت العقل السياسي لدى السوريين، في الوقت الذي قيل فيه إن كل سوري هو سياسي بالفطرة.

وهنا نود أن نركّز على ثلاث نقاط بقيت عالقة في ذهن عدد كبير من السوريين عندما مارسوا “السياسة”، ولم يتمكنوا من التحرر منها بشكل كامل:

الأولى، أن عددًا لا بأس به من السوريين ما يزال يعتقد أن كيانات، مثل القومية والمذهب الديني والقبيلة، يمكن أن تحميه وتحفظ كرامته، وأنه يستطيع اللجوء إليها وقت النائبات، في حين أن هذه الكيانات الفكرية هي مجرد وسائل للهيمنة والتحكم به واستثماره سياسيًا لمصلحة الفئة التي تحكم وتسيطر (زعماء أحزاب قومية، شيوخ عشائر، زعماء طوائف، عسكر بألبسة أيديولوجية..). الثورة كانت على نظام يدعي أنه قومي، ويُمثّل نفسه رسميًا أمام شعبه من خلال حزب قومي متحالف مع “جبهة وطنية تقدمية” وذلك للتمويه عن طبيعته العسكرية والطائفية، ومع ذلك نجد أن الكثير، ممن انخرط بالثورة بكل صدق وإخلاص، يُدرك حيل النظام ويعرف خفاياه، وعلى الرغم من ذلك لم يتوان عن الوقوف خلف تلك الكيانات وتقديمها على أنها تُمثّل هويته، لظنه أن الثورة ليست على تلك الكيانات التي تساعد الطغاة.

لا شك أن طبيعة النظام الدموية واستخدامه للطائفية وميلشياتها وشعاراتها التي تسعى لاستعادة خلافات تاريخية قديمة لحشد أكبر عدد من المؤيدين له، كان لها أثر سلبي مقابل، ولكن في النهاية ردة الفعل السلبية هذه هي ما يريده النظام بالضبط، ولا أعتقد أن النظام الأسدي غير مرتاح لشعارات من قبيل: “الدم السني واحد” بعد أن كان “الشعب السوري واحد”، أو شعار جبهة النصرة سابقًا “كل من يقول بالديمقراطية كافر” (وضعت هذا الشعار على أحد مداخل الرقة عام 2013)، بعد أن كان “سورية بدها حرية”.

ما نريد أن نقوله هنا أن على “السوري الجديد” أن يزيد من وتائر عملية إدراكه لفرديته، وأن يضع في باله أن الفرد مُقدّم على المجتمع، وأن عقائد المجتمع وقيمه يجب أن تدور حول الفرد وحقوقه، أي على المجتمع أن يخضع للفرد ويخدمه إذا كان فيه خير، وليس العكس، لأن العقائد الاجتماعية التقليدية التي لا تأخذ مصالح أفراده بالحسبان، لن تكون إلا أداة بيد الطغاة، سواء كانوا قوميين أو دينيين أو علمانيين، والنتيجة واحدة دائمًا، واللعب بالعواطف الدينية والشعارات الطائفية والمكانة العشائرية لا يجوز أن ينطلي على “السوري الجديد”، هذا السوري الذي ضحى بالكثير، ويليق به أن يكون على مستوى تضحياته.

الثانية، الاعتقاد بأن السياسة مجرد كذب ودجل وخداع، وأن كل من يعمل بالسياسة مراوغ وحرامي وليس لديه ذمة ولا ضمير، طبعًا هذا الاعتقاد ترعرع في ظل الثقافة الأسدية لتجهيل الناس في السياسة أولًا، وإبعادهم عنها ثانيًا. إن الحديث عن الآخرين بأنهم كاذبون ومخادعون وليس لديهم ضمير ولا شرف، من أسهل أنواع الحديث –كما يبين علم نفس التفكير– لأنه لا يحتاج إلى إعمال العقل، ولا إلى تدقيق في المعلومات، ولا حتى إجراء محاكمات منطقية بسيطة، وأكثر من ذلك لا يحتاج إلى شعور بالمسؤولية أمام الذات. طبعًا هذا المفهوم السلبي عن السياسة أتى من “مكيافيلي” وكتابه الشهير (الأمير)، وكثيرًا ما استفادت منه الأنظمة العربية عمومًا، لنشر ثقافة مفادها أن السياسة ليست علم إدارة المجتمعات لتحقيق أكبر قدر ممكن للمصالح والحقوق العامة للناس، وإنما هي مجرد ألاعيب وكذب على اللحى وغدر بالآخرين عندما تحين الفرصة، أي الفصل بين القيم الإنسانية المتعلقة بالشرف وطلب العدالة الأبدي وبين السياسة، بغية تحرير النظام من أي مسؤوليات تجاه من يحكمهم، وتقديم النظام خارج نطاق دولة القانون الحديثة، وتغييب مفهوم الدولة بوصفها في النهاية عقدًا اجتماعيًا بين الحكام والمحكومين يقوم على الحقوق والواجبات.

طبعًا من المؤسف أن دلالات اسم “مكيافيلي” ما زالت إيجابية إلى حد كبير في الثقافة السياسية العربية، من حيث إنه هو الذي يعرف كيف يسير التاريخ وكيف تُحكم الشعوب، وإن وصفته في الحكم هي الأنجع، ولذلك نجد أن كثير من الروايات تتحدث عن زعماء للمنطقة العربية قرؤوا هذا الكتاب وتأثروا به وكان رفيقهم لسنوات طويلة (منهم محمد علي باشا حاكم مصر المعروف، في القرن التاسع عشر). وفي المقابل نجد أن لاسم “مكيافيلي” في الثقافة الغربية دلالات سيئة الصيت ومرادفة للغدر والخداع والتسلط، لأن أفكار كتاب (الأمير) لا تحترم البشر وحقوقهم كما في الحداثة الغربية اليوم.

السياسة علم بسيط إذا ما تحرر من الأوهام التي تحيط به، ويليق بكل فرد أن ينال قسطًا منه، واليوم لم يعد من المقبول بقاء عدد من المهتمين بالثورة ومآلاتها الاستمرار في الحديث السلبي المطلق عن السياسة، فمن دون السياسة لا يمكن فهم التناقضات الاجتماعية وتنظيمها، ومن دون تحسين فهمنا للسياسة سنبقى ندور حول الكثير من المشكلات دون أن نجد حلًا لها. إذا كانت السياسة علمًا فهي مبنية على العقل والاستنتاجات المبنية على التجارب، مثلها مثل باقي العلوم، وهذا يعني تحريرها إلى أقصى درجة ممكنة من العواطف القومية والمشاعر الدينية والنعرات العشائرية والنزعة المناطقية، وما إلى ذلك من أمور سهر النظام الأسدي على إبقائها، ولم يكن له أن يستمر من دونها كما ذكرنا.

ثالثًا، ممارسة السياسة عبر المزايدة على المختلفين في الرأي، وهذا واضح من المناقشات بين من لديهم قناعات أو تصورات أو انتماءات مختلفة، وغالبًا ما تنتهي باتهامات شبيهة بالاتهامات الأسدية لمعارضيه من خيانة وعمالة وتكفير وارتباط بالخارج وما إلى ذلك (اليساريين والإسلاميين الأكثر استخدامًا لهذه الطريقة في التفكير بالسياسة)، وهذا يعني أن هنالك من هم بين المعارضين والمنتمين للثورة قلبًا وقالبًا، ومع ذلك ما يزال لا يستطيع الفصل بين شخصيته الخاصة وبين المجال السياسي العام أولًا، وأنه ما يزال يفكر بالسياسة بآليات الماضي وخلافاته وإلغاء الحاضر والمستقبل. كل من يطلق تلك التهُم يُنحّي العقل والمصالح والمستقبل المشترك جانبًا، أي ينحي السياسة جانبًا على الرغم من أنه يعتقد أنه يمارس السياسة.

السياسة تعني أن يكون الفرد هو سيد نفسه، وأنه هو الذي يُغيّر ما يعتقد أنه على الضد من وجوده ومصالحة، مثلما تعني أنّ على الفرد أنْ يتحدى الشروط التاريخية والقوى التي تحاول أن تسرق مصيره، وما الحديث الخادع عن الضرورة التاريخية سوى هروب من السياسة، وما الاحتماء وراء كيانات جمعية سوى عمل لا سياسي. ما يفيد “السوري الجديد” من السياسة الحديثة أنها وسيلة وقواعد، على المرء أن يدركها حتى يبنى نفسه بوصفه فردًا فاعلًا إلى أقصى درجة ممكنة. لقد تم تخويفنا من السياسة أو تقديمها لنا على أنَّها لغز بغيةَ إبعادنا عنها، لأن السياسة هي التي تُحرر الناس من الخوف، وهي التي تُبيّن لنا أن القوة تتعلق بوضع الأفراد في الجماعات وليس بالجماعات نفسها، الجماعة سواء كانت قومية أو دينية ليس لها أي قيمة ما لم تبنَ على مصالح أفرادها وحقوقهم.

السياسة ليست شكوى وبكائيات وتحسّر على ما لم نتمكن من إنجازه، ثقافة الشكوى والاكتفاء بتعرية المجرم وفضحه هي عجز عن التفكير عبر السياسة، أو هي تفكير خارج السياسة، لأنها ليست أكثر من تعبير المرء عن عجزه، وهذه الشكوى التي تكاد تملأ وسائل التواصل الاجتماعي ومجال الرأي العام تُذكّرنا بشكوى النظام الأسدي من “إسرائيل” وعدوانيتها لعدة عقود، دون أن يعني ذلك أي شيء. السياسة تُعلّمنا عدم الانجرار إلى الماضي وخلافاته ودمائه، وألا نقبل بأن نخاطر بتوقيف عجلة التاريخ لأن الماضي ومخيلته لعبة الطغاة المفضلة. الماضي ليس له أي قيمة إلا عند من لا ينتبه إلى أنه خارج السياسة.

في النهاية، نعتقد أنه لا بد من خرق الحدود بين الثقافة والسياسة –كما قال بورديو– لأن السياسة هي في آخر الأمر ثقافة، مثلما لا يمكن الاستفادة من السياسة دون تحريرها من العوامل اللاعقلانية قدر الإمكان، ونقصد بها الانتماءات ما تحت الدولة أي الطائفية والعشائرية والمناطقية والمذهبية وغيرها، لأن بقاء هذه العوامل في ذهن “السوري الجديد” تعني أنه سيبقى يُمارس السياسة من خارج السياسة، وبشكل أكثر دقة، يمكن القول إنه يمارس السياسة عبر كيانات، وُجدت لتكون ضد السياسة.

المصدر شبكة جيرون