ما زالت مدينة الرقة تعاني من هجوم عنيف من قبل طيران التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من فرار 700 ألف شخص من المدينة طوال حصارها، جراء بطش عناصر تنظيم الدولة من جهة واستهداف طيران التحالف من جهة أخرى وبطش قوات النظام سابقا.

وحتى الآن ما زال 300 ألف نسمة يعيشون في ظروف إنسانية شبه مأساوية باتت تهدد حياتهم، مع غياب تام للمنظمات الإنسانية والإغاثية ويقتصر الأمر على بعض المتطوعين من أبناء المدينة ممن يقدمون الدعم للنازحين في المخيمات وسط التجاوزات اللا أخلاقية واللا إنسانية لـ”قوات سوريا الديمقراطية”.‎

ويتحدث الأهالي هناك عن انتهاكات كبيرة للقوات الكردية تجلت باستهداف الأطفال بشكل خاص، ويروي أحد الناشطين الملقب بـ”أبي مصعب”، أن “هناك خمسة أطفال يقتلون يوميا في الرقة بالمدفعية والهاون بينما تفقد المدينة أكثر من عائلة كاملة يوميا يتم انتشالها من الركام، في حين أن عدد الضحايا تجاوز الـ800 في أقل من شهر، وقد تجاوز عدد ضحايا الحملة حتى الآن الـ1200 ضحية وما زال عداد الموت يرتفع يوميا مع ازدياد أعمال العنف في المدينة”.

ويقول “أبو عمار” أحد الأهالي المحاصرين هناك، إن “هناك استهدافا ممنهجا للأطفال في الرقة، فمقتل هذا العدد من الأطفال يوميا غير مبرر سوى بالتخطيط الفعلي له”.

وهذه النسب والأرقام التي يتم تداولها تعتبر مرعبة قياسا لمدينة صغيرة لا يتجاوز عدد ساكنيها الـ300 ألف نسمة، قُطعت عنهم كافة الخدمات الإنسانية من الكهرباء والمياه والخضار، التي باتت شبه نادرة..

حتى الخبز، انقطع عنهم، وإن توفر فبجودة سيئة جدا، مع انعدام حاجيات الأطفال الرئيسية من الحليب والأغذية، في حين تظهر الصور ومقاطع الفيديو القادمة من هناك صورا لجثث وأطفال سلخت جلودهم ومزقت جراء القصف المتواصل واستهداف المدينة بالفسفور الأبيض مع غياب الدعم الطبي اللازم لها.

وعلى الرغم من وجود نداءات إنسانية كثيرة أطلقت من قبل هيئات وأشخاص ناشطين في المدينة، وجرى تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي مع ما يجري في الرقة مع الرفض الكامل لاعتبارها مدينة “داعشية” وتجاهل وجود آلاف المدنيين المحاصرين هناك، إلا أن المجتمع الدولي حتى الآن بما فيه المنظمات الدولية والإنسانية يرفض الاعتراف بوجود هذه الشريحة في المدينة.

وبدأ هجوم قوات التحالف والقوات الكردية على المدينة منذ سبعة أشهر ابتداء من ريف حلب كوباني وانتهاء بالطبقة، إلا أن الهجوم بدا واسعا في الأيام الأخيرة ما جعل قوات التحالف تلجأ لاستخدام أسلحة محرمة دوليا، حتى وصلت المعارك إلى أبواب المدينة في ظروف إنسانية صعبة للغاية، خصوصا أن طيران التحالف لا يميز بين مدني وعنصر من تنظيم الدولة “داعش”، فالكل بات إرهابيا طالما أنه يعيش في الرقة، ما تسبب بحدوث مجازر كبيرة في المدينة.

وأكد “أبو مصعب” أنه بالرغم من لزوم المدنيين بيوتهم إلا أن طائرات التحالف وصلت إلى داخلها فصرنا ننتشل الجثث من تحت الأنقاض يوميا، ولم تعد تمر ساعة دون أن يسقط فيها مدني.

وتعيش المدينة اليوم حصارا من الجهات الشرقية والغربية وتتوزع الألغام التي زرعها تنظيم الدولة حولها، ولم يعد أحد يتمكن من الخروج، ومن يحظى بفرصة الهرب باتت تتصيده قناصات القوات الكردية أو يلقى حتفه بلغم زرعه التنظيم.

أما عن تفاصيل خروج تنظيم الدولة من المدينة، فيقول “أبو مصعب”: “حتى الآن لا يوجد تفاصيل واضحة لخروج تنظيم الدولة من الرقة، فمن الملاحظ انتقال شخصيات هامة من التنظيم مع عائلاتها إلى دير الزور إلى بلدة شحيل، حتى لم يبق في المدينة سوى العشرات منهم بما لا يتجاوز الـ2000 عنصر، من أبناء المدينة الذين آثروا أن يقاتلوا حتى الرمق الأخير، وهذا سبب الهجوم العنيف من قبل قوات التحالف والقوات الكردية ظنا منهم أن هؤلاء العناصر مختبئون بين صفوف المدنيين”.

وتبرز أهمية الرقة جغرافيا كونها تقطع الطريق بين شرق وغرب سوريا، في حين أن سد الفرات هو أهم مورد في الشمال السوري، بينما تعتبر الآبار النفطية التي سيطر عليها تنظيم الدولة أهم موارد الاقتصاد للمدينة، أما زراعيا فمحاصيل الريف تكفي ثلاث محافظات وتؤمن لهم الاكتفاء الذاتي، وهذا ما جعل قوات سوريا الديمقراطية تتطلع لانتزاع الرقة لتحظى بهذه المميزات بينما تكون في الوقت ذاته تغلبت على قوة كبيرة تنافسها، وحصارهم المفروض هو أولى الطرق لانتزاع هذه المميزات منهم.

ويبين “أبو مصعب”، أن “الملاحظ أن المعركة لم تكن تحتاج كل هذا القصف والتدمير فلم يشاهد أحد معركة حقيقية على الأرض بين التنظيم و”قسد”، وأغلب المناطق يتركها التنظيم بالتوافق مع قسد ضمن شروط التسليم والأمان، وهذا ما حصل في مدينة الطبقة وبلدة المنصورة في الريف الغربي”.

ودعا الجميع أن ينظر بعين الحيادية لما يجري في الرقة دون التطرق لتنظيم الدولة، وقال: “لسنا نحن من جلبهم ولم نكن قادرين على طردهم، ولكن ألصقوا بنا تهمة إيوائهم وآثروا السكوت عن ما يحصل في المدينة وأهلها، ناشدنا بحماية المدنيين من خلال هاشتاغ “#أنقذوا_مدنيي_الرقة” وحاولنا تسليط الضوء عندما قام التحالف بقصف المدينة بالفوسفور الأبيض المحرم دوليا من خلال حملة “#الرقة_تحترق”، ولكن لم تصل ولم تنتشر كما كان مخططا لها وبقيت الأفواه مكمومة والضمائر نائمة وكأننا من الفضاء ولسنا بشرا”.

عربي 21