عبد الرحمن مطر – جيرون

يبدو من المثير للاهتمام حقًا، أن تحظى عملية اقتحام الرقة العملية التي بدأت في السادس من حزيران/ يونيو الجاري، بمثل هذا التعتيم والتجاهل الإعلامي، إلاّ بما تنشره قوات (قسد)، على محدوديته وضآلته، وبما فيه من تضليل وتزوير وتكييف للوقائع، بما يتناسب و”البروباغندا” التي تضخّ بلا حدود حول محاربة الإرهاب، والانتصارات المتوالية على (داعش) في الرقة.

تشارك، في هذا التعتيم، معظمُ وسائل الإعلام، على اختلاف توجهاتها التي تتناقل أنباء مصطفاة، ولم ترتقِ التغطيات الإعلامية إلى مستوى الحدث، بما له من أهمية استراتيجية؛ إذ تسعى واشنطن لتحقيق نصر خاص ومختلف بطعم ترامب. والمصدر شبه الوحيد الذي تعتمده عددٌ من وكالات الأنباء الأوروبية هو المرصد السوري لحقوق الإنسان، ويُرجّح أن معلوماته -في الغالب- غيرُ دقيقة، وليست موثوقة لدى معظم السوريين بشكل خاص، أما التسريبات التي يتم تناقلها، فيقوم بها أفراد، أو مواقع إعلامية ذات جهود فردية متصلة بمجتمع الرقة.

تفرض الولايات المتحدة طوقًا من التعتيم الإعلامي الواسع على عمليات التحالف في الرقة، على وجه الخصوص، بخلاف الأمر المتصل بعملية تحرير الموصل. حتى الآن لا توجد أي معلومة عن مجريات معركة الرقة، أو عن المعارك/ المواجهات التي يُتحدَّث عنها تلميحًا في التصريحات الأميركية، ليس هناك صور، أو مقاطع فيديو، أو إشارة إلى مواقع المواجهات داخل المدينة؛ حيث أنشأت قيادة عمليات التحالف الدولي ما يشبه القبّة الفولاذية لمنع تسرب معلومات توثق ما يحدث في الرقة. ليس هناك مراسلون من أرض المواجهة، ولا محطات تلفزيونية؛ وكأنها بذلك لا تريد لأحد أن يكون على اطلاع مباشر ووثيق بما تقوم به الولايات المتحدة، بوصفها القوة الأساس في التحالف الدولي.

لكن ثمة معلومات أخرى، تُروّج لها (قسد) على سبيل التحديد، بنشر صور أو بالتصريح؛ بما يشي بأنها منخرطة بمواجهات حاسمة مع تنظيم الدولة الإرهابي، وفي كل مواجهة يتم الحديث عن مقتل عشرات من مقاتلي (داعش). لكن ذلك كله لم يترافق مع أي دليل يجسد الحدث، لم نرَ -حتى اليوم- صورًا لجثث أولئك الإرهابيين “الدواعش” الذين حصدتهم بنادق ومدفعية ميليشيات صالح مسلم المصنفة تنظيمات إرهابية هي الأخرى، وهي كذلك بالنسبة إلى أفعالها وسياساتها باستهداف المدنيين في الشمال السوري.

تتكرر الصورة النمطية التي شاهدناها في معارك تحرير عين العرب (كوباني): مقاتل ومقاتلة من وحدات حماية الشعب.. في البراري وخلفهم تخفق راية “الكردستاني”.

ما يحدث، على الأرض في الرقة، لا يريد التحالف الدولي ولا واشنطن ولا أداتها (قسد) أن يُظهروا شيئًا منه للمجتمع الدولي بصورة عامة، وللرأي العام الأميركي بصورة خاصة، مع استبعاد أي قيمة للرأي العام السوري الذي لا يأبه له أحدٌ اليوم. ما يجري وسط صمتٍ عميم، هو تدمير ممنهج للرقة، بالتناوب ما بين القاذفات الأميركية بحرًا وجوًا، والمدفعية الثقيلة التي تستخدمها ميليشيات صالح مسلم؛ وفاعلية هذه الأخيرة التدميرية كبيرة جدًا وتستهدف حرق الأحياء، تدميرها، ومسحها. ويجري الحديث اليوم بأنه يمكن مشاهدة أطراف المدينة من وسطها. ليست هناك مبالغات لمن يعرف بنيان الرقة، لكن هذا يعني أن الدمار شديد وكبير، ويجري دون هوادة، منذ بداية شهر حزيران/ يونيو الجاري، وتبدو هذه هي المهمة الأساسية الموكلة لتنظيم (قسد)، ما يدفع ما تبقى من السكان للهروب إلى الأرياف البعيدة عن القصف المتواصل الذي يذهب ضحيته ما لا يقل عن عشرين مدنيًا؛ عائلات بأكملها تتهدم منازلها فوقها، وتباد.

في سابقة لم يقم بها سوى نظام الأسدية، قامت (قسد) بإخلاء قسري لحيّ المشلب شرقي المدينة، وقامت بترحيلهم إلى معسكرات مغلقة شمال الرقة. الحديث عن هذا الأمر يقودنا بالضرورة إلى الإشارة إلى أن المخيمات التي تضم نازحي الرقة، وتديرها “وحدات حماية الشعب”، هي معسكرات اعتقال تستهدف إجبار الأهالي على ترك مناطقهم، وإخضاعهم لممارسات تعسفية مهينة. في الوقت الذي بدأت فيه ميليشيات مسلم، بنهب و”تعفيش” الممتلكات من المنازل التي فرّ أصحابها للنجاة بأرواحهم.

ثمة أمر يسترعي الانتباه، فقد استخدم التحالف الدولي الفوسفور الأبيض، شمال غربي الرقة، لإرغام (داعش) على إخلاء المنطقة وفتح الطريق أمام تقدم (قسد)، ولم يعترف بذلك، إلا بعد قيام وكالة (أعماق) بنشر صور المقذوفات الفوسفورية. في حرب كهذه، أجبرت (داعش) التحالف الدولي على الاعتراف، فماذا يمكن أن يحدث لو نُقِلت حقيقة التدمير الواسع الذي تقوم به (قسد) وقوات التحالف؟

ليست هناك أسباب تستدعي التعتيم الإعلامي، أكثر من إخفاء النوايا، بالنسبة إلى (قسد) والتحالف على حدّ سواء. الطرفان يلتقيان -حدّ التطابق- في منهج محاربة (داعش): الضغط على التنظيم الإرهابي لتسليم المناطق والانسحاب كيف يشاء، ويجري ذلك تحت غطاء كثيف من عمليات الحرق والتدمير والتهجير. لا تعرف الاستراتيجيات العسكرية للولايات المتحدة والناتو سوى سبيل واحد للمواجهة، إن كانت هناك حقًا مواجهات، هو التدمير الشامل الذي يطال البشر والحجر. الأمثلة حاضرة من أفغانستان إلى العراق، ومن ليبيا إلى الرقة. وما كان ينقص “وحدات حماية الشعب” سوى العمل تحت إمرة التحالف؛ كي يمارس التدمير دونما حسيب أو رقيب. وهو الأسلوب ذاته المتطابق مع الشريك الآخر لها: نظام الأسد الذي تتقدم قواته بدعم إيراني–روسي؛ لاستلام المناطق التي ينسحب منها (داعش).

ثمة متوالية في خيوط التفاوض والتفاهم والمقايضة، بشأن تسليم المناطق بين كل من (داعش) و(قسد) ونظام الأسد. ما يحدث اليوم غربي الرقة يمكن أن يتواصل، إذا لم تقم الولايات المتحدة بوضع حدّ له، أو بمعنى أدق إذا لم يشكل تقدم النظام تهديدًا لخطط انتشار قواعد وبنائها، وترسيخ هيمنة الولايات المتحدة على الشمال والشرق السوري.