الرقة بوست – عروة المهاوش
الليلة الأخيرة، وقبل أن يغادر المدينة نحو ريفها الذي بات مزروعاً بحقول من الألغام بدلاً من سهول القمح بسنابله الذهبية في مثل هذا الوقت من السنة، كانت عيناه مسمرتان بالجدار المقابل، اخترقتا طبقة الدهان والإسمنت لتصلا إلى كل حجرٍ فيه، وبحركة لا شعورية بدأ يفرك يديه حين تذكر التشققات والجروح التي نالت من يديه حين كان يحمل تلك الأحجار إلى الطابق الثالث وحده كي يوفر أجرة العمال ويكمل بناء منزله كي يستقر فيه وزوجته وطفلته. يبتسم برهة حين تذكر أيضاً محاولة إقناع زوجته بنوع معين لغسالة الأوتوماتيك داخل صالة المؤسسة بعد سنوات من دفع الأقساط للمصرف العقاري بعد حصوله على القرض الخاص بشراء منزل.
أقفل الباب الخارجي جيداً، وتأكد منه مرات عديدة. قبل شروق شمس يوم الجمعة غادر وعائلته بشاحنته القديمة الحي الذي يسكن. تجاوز الأحياء القريبة لكن عينيه كانتا تنظران حيناً نحو الأمام، وأحياناً كثيرة إلى المرآة في منتصف شاحنته الصغيرة كي تودع عيناه للمرة الثانية المدينة التي أحب. يحدث نفسه، ما بال المسافات أصبحت قريبة؟ فما هي سوى بضع دقائق ليجد نفسه وقد أصبح بعيداً عن الأبنية العالية، يتراءى أمامه هذا السهل الذي لا لون له بعد أن كان يتمايل بسنابل الذهب.
في الطريق الترابي الضيق جداً كان يقود شاحنته بكل حذر خوفاً من الوقوع بحقلٍ من الألغام زرعه القتلة بدلاً من القمح. توقف فجأة، وأشار إلى عائلته ببعض الهدوء، أمسك بيد زوجته قليلاً ومسح على رأس طفله الرضيع الذي كانت زوجته تضمه إلى صدرها بكل قوة فيما كان أطفاله الثلاث في الصندوق الخلفي للشاحنة. قال لزوجته: يبدو أننا وقعنا في الفخ، توسلت إليه خوفاً على حياته بالعودة من حيث أتوا، لكن أصوات القصف بالطيران والمدفعية كان يرعب الصغار، فقرر عدم العودة لهذا الرعب، قال لها مطمئناً لا تخافي فأنا خدمت في الجيش وأعرف كيف أتجنب الألغام قليلاً، حين ترجل من الشاحنة، وتقدم خطوات كثيرة توضحت لديه الرؤية أكثر فقد كان بللور شاحنته قديماً ومتسخاً بعض الشيء. ها له ما رآه من بقع سوداء على التربة وبعض الحفر الصغيرة نتيجة انفجار لغم سابق، وأحذية الأطفال البعيدة مع جزء من أقدامهم التي تركت في مكانها، لكن رأس اللعبة البلاستيكية المقطوع والمخضب بالدم جعله يقف في مكانه، ولم تعد قدماه قادرتان على حمله فقرر العودة، لكنه لم يعد فقد كان يقف تماماً فوق أحد بذور الموت، صاحت زوجته وصرخت. نزلت من الشاحنة بيدها طفلها الرضيع، حاولت في البداية أن تدعه مع أخته لكنها دون شعور منها نزلت، وهي تحتضنه محاولة سحب جثة زوجها، فقد تراءى لها أنه ما زال حياً، البذرة الثانية حصدتها فصرخ الأطفال، طارت قدمها بعيداً واستقرت تلك القدم عند رأس اللعبة المقطوع ليرطبه بدمٍ دافئ، كانت تشير إلى ابنتها وأبنائها الصغار أن لا ينزل منهم أحد وصرخت في طفلتها أن تأخذ إخوتها الصغار والحقيبة الصغيرة التي في الشاحنة، وتعود بهم إلى الخلف نحو المدينة، فيما كانت تنازع، وتتلمس للمرة الأخيرة نبض رضيعها ويدها الأخرى ممسكة بقدم زوجها. نزلت الطفلة ذات الستة عشر ربيعاً صارخة باكية، وهي ترى والديها قد فارقوا الحياة، ودماؤهم قد أغرقتهم. في نفس اللحظة التي فارقت فيها والدتها الحياة، صاح لغمُ آخر ليزرع بذرة وردية في تراب الوطن، وليبقى الطفلان الصغيران في حالة من البكاء والضياع، كم ستزهر شقائق النعمان في هذه الأرض بعد أن رويت بدمنا، نحن أبناء القهر والموت، أبناء الفرات ومدينة السلام التي تلونت بالأحمر القاني.