الفوسفور الأبيض في سماء مدينة الرقة.

وقوع أكثر من 300 شهيد في الأيام الأولى لاستعادة الرقة

الرقة بوست  ـ خاص

وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان استشهاد نحو 23 مدنياً في مدينة الرقة، إثر قصف جوي لطيران التحالف الدولي، مستخدماً مادة الفوسفور الأبيض الحارق، ونشرت حملة “الرقة تُذبح بصمت” مقاطع فيديو توضح المناطق المستهدفة في أحياء الرقة الغربية والشرقية بعد يومين من إطلاق عملية تحرير الرقة التي أعلنت عنها قوات سورية الديمقراطية، المدعومة من قوات التحالف الدولي بتاريخ 6/6/2017.

وأبدت منظمة هيومان رايتس ووتش قلقها من استخدام قوات التحالف الدولي للفوسفور الأبيض في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل والرقة، وقالت المنظمة: إن استخدام الفوسفور الأبيض بالضربات المدفعية والجوية من قبَل التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يثير أسئلة خطيرة حول مسألة حماية المدنيين، وليس هناك أي سبب واضح لاستخدام الفوسفور الحارق، إضافة إلى أن الفسفور الأبيض يشكل خطراً وضرراً طويل الأمد في المدن المأهولة بالسكان المدنيين. فيما قال المتحدث باسم قوات التحالف الدولي ريان ديلون: “نحتفظ بحق استخدام كافة الإمكانات المتاحة لهزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” بما يتناسب مع قانون النزاع المسلح”، مضيفاً أنه يمكن استخدام الفوسفور الأبيض للحجب والتعتيم والإشارة بطريقة تراعي تماماً الآثار العرضية على المدنيين، وذلك وفقا لقانون النزاع المسلح.

وكانت قوات سورية الديمقراطية قد بدأت معركتها لتحرير الرقة إثر إذاعة البيان العسكري، الذي تم خلاله إعلان إشارة البدء للمعركة، التي وصفها المتحدث العسكري باسمها العقيد طلال سلو بالشرسة، وبدأت سلسلة الهجمات العسكرية المنظمة من ثلاث جهات (الغربية والشرقية والشمالية) بمشاركة واسعة من قوات النخبة التابعة لتيار الغد، الذي يقوده رئيس الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة الأسبق أحمد الجربا، وزحفت قواته من جهة الشرق، واستطاعت الدخول إلى حي المشلب وسط اشتباكات عنيفة ترافقت مع تفجير مفخخات من قبل عناصر تنظيم الدولة، وواصلت زحفها متقدمة لحي المختلطة وصولاً لحي الصناعة، بالتزامن مع قصف جوي ومدفعي غير مسبوق، بينما نفذت قوات من الكومندوس الأمريكي عملية إنزال جوي في منطقة مباني ساريكو شمال مدينة الرقة، قريباً من مباني صوامع الحبوب، فيما تواصلت الاشتباكات العنيفة في مناطق معمل السكر ومحيط الفرقة 17 وفي الأحياء الغربية لمدينة الرقة بين قوات سورية الديمقراطية بمشاركة عدد من الفصائل العربية وقوات داعش، وشهدت الأيام التالية عمليات قصف عشوائي للمدفعية التابعة لقوات التحالف الدولي وقوات سورية الديمقراطية، وطالت معظم أحياء المدينة، وبعد خمسة أيام من انطلاق معركة استعادة مدينة الرقة، ترددت أنباء عن وصول طلائع القوات المهاجمة لشارع 23 شباط وشارع المنصور وشارع سيف الدولة، الواقعة وسط مدينة الرقة القديمة، تبين بعدها أن القوات المهاجمة تركزت طلائعها على مشارف الصناعة، وتحديداً بجوار سور الرقة الأثري، المطل على شارع 23 شباط، وسط أنباء عن توالي سقوط قذائف المدفعية العشوائي على معظم أحياء الرقة القديمة، ومتابعة طيران التحالف لقصفه الجوي في غارات متتابعة طالت مناطق آهلة بالسكان المدنيين، ما أدى لاستشهاد عائلات كاملة.

واستطاع ناشطون من مدينة الرقة توثيق استشهاد أكثر من 300 شهيد مدني قتلوا نتيجة القصف الجوي والمدفعي في عدد من أحياء المدينة خلال الأيام الأولى لمعركة الرقة الأخيرة، فيما وثقت حملة الرقة تذبح بصمت عدد غارات التحالف بدءاً من انطلاق عملية غضب الفرات للسيطرة على مدينة الرقة يوم 6/11/2016 وحتى 31/5/2017 بنحو 1161 غارة جوية، وعدد شهداء هذه الغارات من المدنيين وصل إلى 1075 مدنياً، فيما كان عدد عمليات القصف المدفعي منذ بداية شهر رمضان الحالي أكثر من 1000 قذيفة، أدت لسقوط نحو 65 شهيداً من المدنيين.

وقال الناشط عروة المهاوش إن العمليات العسكرية التي تنفذها قوات التحالف الدولي تطال بالدرجة الأولى المدنيين ومساكنهم، دون مراعاة لتطبيق قواعد الاشتباكات في محيط النزاعات المسلحة، التي تراعي بالدرجة الأولى تحييد المدنيين عن النزاعات المسلحة، وتوفير طرق آمنة لخروجهم من أماكن النزاع، مضيفاً أن العديد من الغارات الجوية وقذائف المدفعية أتت على أسر كاملة، معظمها من الأطفال والنساء، كما أن العديد من الأسر قضت نتيجة انفجار الألغام الأرضية التي زرعها عناصر داعش في محطات نزوحهم من الرقة، وتجاوز عددهم أكثر من 35 شهيداً، فقد أدى انفجار لغم أرضي بأسرة طه الحاج محمود في منطقة مزرعة حطين، ما أدى لاستشهاده وزوجته وأربعة أطفال له، وانفجار لغم بعائلة مصطفى عبود المحمد مع ثلاثة من أبنائه، أعقبها وفاة زوجته حزناً عليهم، فيما انفجر لغم أرضي بمنطقة البانوراما بأسرة أحمد الفرج، ما أدى لاستشهاده وزوجته وأبنائه الثلاثة.

وأشار المهاوش إلى أن قذائف المدفعية طالت معظم أحياء المدينة القديمة، وتجاوز عدد الشهداء الموثقين بالاسم أكثر من /300/ شهيد مدني، والأمثلة أكثر من أن تحصى، وسنحاول أن نورد بعض الحالات التي تؤكد سقوط المدنيين في عدد من أحياء المدينة، نتيجة الغارات الجوية وقذائف المدفعية، فقد وقعت إحدى القذائف في شارع سيف الدولة وأدت لاستشهاد المدرب الوطني للريشة الطائرة إسماعيل الخليف وزوجته واثنين من أبنائه، كما استشهدت عائلة محمود فاروق الخلف من البجري جراء قصف التحالف الدولي بالقرب من جامع النور، وأدت لاستشهاده وزوجته وأحد أبنائه وإصابة كل من أمه وشقيقه وشقيقته، وكان حصيلة الشهداء نحو 13 شهيداً في هذه الغارة، كما تعرضت بناية الثلجي في شارع 23 شباط لقصف متتابع، سويت على إثرها بالأرض وأدت لاستشهاد أربعة أشخاص منهم ثلاثة من عائلة الثلجي، كما استشهد محمود أبو هيف وعائلته، واستشهاد عبد اللطيف صالح البليبل وابنه رامي إثر سقوط قذيفة مدفعية على منزلهم في السبع دربات وسط الرقة القديمة، كما استشهد نحو عشرة أشخاص في مجزرة الصناعة، منهم عائلة فداوي الناصر، وسقوط عدد من الشهداء جراء سقوط عدد من قذائف المدفعية في محيط الجامع القديم، كما استشهدت عائلة محمود الأحمد السليمان، المؤلفة من زوجته وطفليه.

وأضاف الناشط المهاوش أن قذائف المدفعية والغارات الجوية تركزت على أحياء الحسون وسيف الدولة والبجري والعجيلي والسبع دربات والدرعية والسباهية ومحيط شارع النور ومحيط شارع المنصور وشارع 23 شباط، إضافة إلى استهداف طيران التحالف السفن والعبارات التي تنقل المدنيين إلى ضفتي الفرات، وراح ضحيتها 17 شهيداً، ومخبز في حي السباهية، وثلاثة عناصر من الإطفائية جراء استهداف مقر فوج إطفاء الرقة.

أما عن الوضع الإنساني في مدينة الرقة، فيقول المهاوش: لا يوجد أي مشفى أو نقطة طبية يتم فيها إسعاف المدنيين، بعد خروجها جميعاً عن الخدمة، مع انعدام فرص النجاة نتيجة عدم توفر الدواء ووسائل العلاج والإسعاف، وتحولت معظم الحدائق ومحيط المناطق الأثرية وسط المدينة إلى مقابر يتم دفن الشهداء فيها، نتيجة تعذر دفنهم في مقابر المدينة، وشهدت المدينة انقطاع كامل لمياه الشرب والكهرباء والهواتف الأرضية، مع التأكيد على ورود المياه لفترات محدودة وقليلة جداً، والخبز متوفر مع المواد الأساسية، مع ملاحظة قيام الباعة بتوحيد أسعار الخضار، وشهدت بعض الأحياء نزوح كامل للسكان باتجاه أطراف الرقة، دون أن يكون هناك أي معابر آمنة لخروج المدنيين من الرقة+.

انحسرت في الآونة الأخيرة الاشتباكات، وتركزت في محيط السور الأثري وأطراف حي الرميلة وحطين، فيما توالى سقوط القذائف بشكل عشوائي على معظم أحياء المدينة وشوارعها، وأنباء بشكل متواتر عن أعداد جديدة من الشهداء المدنيين، فيما تنعدم إمكانية توثيق أسماء الشهداء المدنيين الوافدين إلى الرقة كنازحين.

ختاماً يقول الأديب عصام حقي: “في الرّقّة.. ألا يمكن إلغاء فصل التوحّش من مسرحيّة الاستلام والتسليم الثانية؟!”.. هل فعلاً تعيش الرقة فصول رواية يكتبها الغرب المتوحش بدماء الرقاويين؟ وهل قدر أهل الرقة أن يدفعوا دمهم ثمناً لمسرحية محاربة الإرهاب الذي صنعه الطغاة والمستبدين ومخابرات الغرب؟!