افتتاحية الرقة بوست

نحن المسلمين السنة، الذين يبلغ تعدادُنا اليومَ على ظهر هذا الكوكب، قريباً من مليار وربع نسمة، أي خُمس أو ربع سكان المعمورة، استفقنا ذات صباح، وقد ألفينا بأن خليفةً راشداً من الخلفاء الذين انقطع العهد بهم منذ قرون وعهود، وقد وَلِيَ أمرنا وبويع بالإمامة الكبرى نيابةً عنا، يسوسُنا بشريعة الله، ويحملُ مسؤولية الدنيا والآخرة نيابةً عنا في هذه الحياة الفانية.. ويومَ يقومُ الأشهاد..
صحيحٌ أننا، وللإمانة والتاريخ نقولُها، ونشهدُ بها أمام الله يومَ العَرْضِ عليه، لم نرَ الرجل يوماً، في عصر الفضائيات والميديا العابرة والانترنيت والصورة التي باتت تلتقط وتظهر وتغطي كل شيء؛ من المسموح به إلى المحرم والمحظور، ومن المُهم والمرغوب إلى الممل والمكرور، فنحن ـ سكانَ الأرض اليوم ـ نعيش صوراً، ونفطر ونتغذى ونتعشى ونتنفس ونبتسم ونتقاتل ونتحادث أيضاً بالصور الشاهدة والناطقة والمتحركة والجامدة.. مع هذا فإن خليفتنا العتيد لم يظهر علينا إلا مرة واحدة، رأيناه في مشهد يتيم يصعد درج أحد المنابر، ثم يلقي خطبة جمعة يعلن فيها أنه ولي علينا رغم أنه ليس بخيرنا، وأمرنا بمناصحته وإعانته على الحق، حيث قال:(عباد الله.. أعينوني على الحق ما أقمت كتاب الله فيكم، وإن وجدتم فيَّ اعوجاجاً فقوموه.. الضعيف فيكم قوي حتى آخذَ الحقَّ له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذَ الحق منه..الخ..). ونحن حقاً متشَوفون لرؤيته ولإعانته، ونصحه كما طلب وأمر، بيد أننا ـ وللأسف ـ لا نعرف طريقة ولا سبيلاً يوصلنا إليه، حتى لو كان هذا الطريق بالتسلسل، والتتابع، والعنعنة..”عن فلان عن فلان”، أو أضعف الإيمان حتى أن نحدثه ونبلغه شؤون رعيته عبر”الموبايل” أو”الواتس”.. وهكذا أُسقِطَ في يدنا وفي يد خليفتنا..
كثيرون من قليلي الصبر ملوا الانتظار، وهم يترقبون المزيد من مشاهدة المسرحية، ولو أنهم ـ فرضاً ـ دفعوا ثمن تذكرة مسبقة لحضورها، ربما لضجروا، ولعلا صوتُهم مطالبين برد ثمن تذكرة الحضور، ومعهم بعض الحق، إذ لا يُعقَل أن يكون هناك مسلسل طويل يَعدُّ أكثر من 1000 حلقة يومية، ودورُ الخليفة فيه لا يتعدى الدور الكومبارسي الاستثنائي، الذي يوكل إلى ممثل صغير يُختصَرُ حضوره في المشهد، لا بأكثر من الدور الذي يُعطى لحاجب باب الملوك في المسلسلات التاريخية، والذي يظهر مرة واحدة على طول المسلسل، ولدقائق معدودة، يدخل فيها على الملك، ويخاطبه قائلاً:”مولاي..! في الباب رسولٌ يطلب إذن مولاي بالدخول؛ فهل آذن له بالمثول بين يديكم..”!! ثم ينحني ويخرج، وينتهي دوره، ولا يُشاهدُهُ بعدُ أحد..
لكن الخدر والاستسلام لدورنا كمشاهدين، بعد أن نتماهى مع طبيعة الحدث المشهدي المنتظر والمترقب، سرعان ما ينتشلُنا منه صادمٌ مفاجئ، وغير محسوب.. كأن تعلن الولايات المتحدة عن جائزة مقدارها عشرين مليون دولار لمن يقبض على خليفتنا المختفي، والمتهم بأنه الإرهابي الأول في العالم، أو يساعد في القبض عليه.. وهنا نصحو ـ كمن سُكِبَ على رأسه ماءٌ باردٌ ـ ونفطن بأننا لسنا في معرض مشاهدة مسرحية، إنما الأصح أننا نعيش في قلب السياسة وشغِافها، وواقع الحدث وتفاصيله، وفي رحلة موت أبدي لا ينتهي.. والموت لا يلعب ولا يمزح، وليس لديه مسرحيات ومسلسلات..
نخرج من دور مسرحية الخليفة الذي لم يشاهدْه أحد، إلى دور الإرهابي الذي لا يعرفه أحد، وتبقى المشاكل التفصيلية التي كانت عالقة في الحالة الاستبطانية الأولى قائمة وعالقة هي الأخرى، والتي شكونا فيها من أننا جاهزون مستعدون لنُصْحِ خليفتنا وإعانته على الحق، لو أننا عرفنا حيلة أو وسيلة توصلنا إليه، أو إلى من يعرفونه ويصلون إليه، لندخل كرَّةً أخرى في تيهٍ جديد، يُقَلِّبنا في نافورة الأحلام والكوابيس، والهجس الأبدي بما سوف يَحدث، فنحن، أهلَ الرقة، نعيش في معسكرات إيواء، أو في بيوت مهدمة تحت وابل القصف بالطيران والصواريخ والفوسفور الأبيض والموت المتلاحق ليل نهار، لا كهرباء لدينا ولا ماء، ولا”نت” ولا اتصالات، ولا روابط مواقع رسمية للبيت الأبيض أو البنتاغون أو الاستخبارات الأميركية، فكيف لو عثرنا على الرجل ـ افتراضاً ـ أو قبضنا عليه صدفة، سوف نتصل”بالجهات المسؤولة” لنبلغَها عنه ونظفر بالعشرين مليون دولار..؟
من طرف آخر، وكلما سئمنا في الشق التمثيلي الأدائي للمسرحية، وقررنا أن نمسك بالريموت كونترول لنقلب القناة على مسلسل آخر أومسرحية أخرى، يسارع المؤدي السياسي إلى استمهالنا واستبطائنا أكثر:”لا.. لا تنصرفوا بهذه السرعة، فالواقع ينطق بكثير من الجدية في التعاطي مع الأداء السياسي الذي تتبرمون منه وتتضجرون وتنكرونه”.. فيسارع الروس إلى الإعلان بأن طائراتهم قد قصفت موقعاً في الرقة كان البغدادي يحضر فيه اجتماعاً سرياً، وأنها قتلت 300 عنصراً من أفراد التنظيم الإرهابي بينهم عدد كبير من القيادات، وقد صورت الموقع بالأقمار الصناعية ونشرته عبر وسائل الإعلام.
هل مات خليفتنا إذن؟ وضاعت الفرصة علينا ـ نحن أهالي الرقة ـ بالفوز بالعشرين مليون دولار؟ عموماً”طز”، فنحن لسنا نادمين على خسارة ورقة اليانصيب هذه، ولا مكتئبين من النتيجة الأخيرة.. بل أكثر من ذلك نحن ـ أهلَ الرقة ـ نعلن بأننا سوف ندفع جائزة مقدارُها ضعف جائزة البنتاغون، أي أربعين مليون دولار لمن يخلصنا من المشهدين معاً: التمثيلي والسياسي.(وسنشترط في توزيع الجائزة بأن يُدفع نصفُها للولايات المتحدة، والنصف الباقي يوزع بالتساوي على الخليفة والأسد وإيران وروسيا)، حتى لو اتهمنا بأننا نبادر مبادرة حمقاء لا يجترحها إلا حمقى، مثل(هَبَنَّقة القيسي)، وهو أحد البصريين الذين كانت العرب تضرب به المثل في الحماقة، فيقال:(أحمقُ من هَبَنَّقة القيسي).. إذ يروى عنه أنه أضاع جملاً هرماً عجوزاً، لا يتعدى ثمنُه الدرهمين، فجعل يصيح عليه في شوارع البصرة منادياً: من وجده لي أعطيه عشرة دراهم. فقيل له: ياهبنَّقة، جملُك لا يساوي درهمين، فكيف تعطي لمن عثر لك عليه عشرة دراهم؟ قال: إن لوَجَدان الشيء الضائع حلاوة.. وأنا أعطي عشرة دراهم لمن يعثر لي على جملي، لا من أجل الجمل، وإنما من أجل حلاوة الوَجَدان.. ونحن أهل الرقة، نعلن عن جائزة مقدارُها ضعف جائزة البنتاغون الأمريكي لمن يدلنا على جملنا الضائع، لنفوز بحلاوة الوَجَدان..
معبد الحسون 19/ 6/ 2017