الرقة بوست – عروة المهاوش
أي اسم سنطلقه على وليدنا، منذ لحظة حملها وحتى الأشهر المتقدمة من الحمل. كان الزوجان خالد وأماني يبحثان وبشكل يومي عن اسم يليق بالقادم الجديد، والذي سيكون أخاً لطفلهما الثاني، والذي ما زال يحبو ويناغي أمه وأباه. هذه المناغاة، وهذا اللعب حين يمد يده نحو وجه أمه يتصور أنه سيمسك خد القمر، فيما أمه تحتضنه بكل حنان الدنيا إلى صدرها، وابتسامته تزيل عن كاهل أبيه كل معاني التعب من عمله المضني والشاق نهاراً، وتجعل من ليلهم البارد في بيتهم المتواضع بيتاً يشع بالدفء، وينزع إلى السكينة.
في الأشهر السابقة لموعد الولادة تم اختيار ملبس الطفل بكل عناية أبوية، فقد كان خالد يشعر بأنه لم يقدم لأخيه الكثير يوم لم يمضِ الكثير من الوقت على هروبه من سورية الحرب نحو تركيا، واستقراره في “سكاريا” شمال غرب البلاد، حينها لم يكن قد وجد عملاً مستمراً بعد يكفيه ذل العيش في بلد غريب.
في الصباح يودع زوجته كعادته، ولم ينسَ يوماً خلال غربته أن يوصيها لا تفتحي الباب لغريب وانتبهي على الأولاد ولا تنسي الطبخة اليوم. في الطريق إلى العمل تتناوبه الهواجس من الغد، فغداً موعد دخول زوجته إلى المستشفى من أجل الولادة، يتخوف ككل الآباء من تبعات الولادة على حياة زوجته ورفيقة دربه، ويدعو جهراً وسراً لها ولوليدها بالسلامة، حين يصل مكان عمله يطلب من رب العمل إجازة لثلاثة أيام اعتباراً من صباح الغد فيحصل على مراده مع تبريكات من رب عمله وبعض الزملاء من الجنسيتين التركية والسورية، يكمل عمله حتى منتصف يوم العمل وحين الاستراحة يتوجه إليه رئيس الوردية، ويعطيه مغلفاً صغيراً فيه بعض المال الذي تبرع به زملاؤه في العمل كمساعدة منهم على تغطية بعض النفقات، بمزيج من الفرحة والحزن أيضاً يتناول المغلف ويضعه على الطاولة، يهب واقفاً فاتحاً ذراعيه نحو المدى متمنياً لحظتها أن يحضنهم جميعاً إلى صدره دفعة واحدة، بدموع كثيرة وهمهمات تشبه طفله حين يناغيه. يتقدم لهم بالشكر والمحبة. حين انتهى وقت العمل وضع جائزته الكبيرة بكل حرص في جيبة متأكداً من وجودها بين حين وآخر، ستفرح زوجته أيضاً بهذا المبلغ، وسوف يشتري لها في اليوم الأول وبعد خروجها من المستشفى “المشاوي” التي كانت تشتهيها نفسها وتطلبها طوال فترة الحمل، لكن الأمر لم يكن بمقدوره، فلا نقود تكفي لمصروف البيت والحليب للطفل إضافة للأجرة وفواتير الكهرباء والماء، لكنّه هذه المرة سوف يشتري لها ويطعمها وطفله ذي الأشهر العشرة، ما بين موقف الحافلة وبيته مسافة ليست ببعيدة، لكنه كان يشعر كمن يمشي نحو الخلف ينظر إلى قدميه ليتأكد أنه يتقدم، نعم هذا ظلي يهتز ورائي بكل خطوة، وهذه قدمي تنقل خطاها على الرصيف، وتلك الشارة تقترب مني، إذاً أنا أتقدم نحو بيتي، لكنه لِمَ أصبح بعيداً جداً هذه اللحظة!!
قبل وصوله البيت بعدة أمتار يخفق قلبه كثيراً إلى حد شعر أن قلبه سوف ينفر من بين أضلاعه خوفاً ورعباً. باب بيته مخلوع بقوة واضحة، دخل كالمجنون صارخاً أماني.. أماني، بحث عنها لم يجد سوى صدى صوته ولعبة طفله الوحيدة ملقاة على الأرض، لحظات فقد فيها عقله ولم يسعفه تفكيره كيف سيتصرف، حين خرج من البيت وسأل جاره عمّا حدث، لم يجبه أحد، لم يرَ أحد شيئاً غريباً لكنهم نصحوه بإبلاغ البوليس فوراً، البوليس ولمَ؟!!.. سوف تعود.. أعلم أنها ستعود لمنزلها لكن ثقته لم تكن بمكانها، في القسم قدم لهم البلاغ بتعرض بيته للكسر والخلع واختفاء زوجته الحامل ذات التسعة عشر عاماً مع ابنه البالغ عشرة أشهر، وقدم لهم صورة لها، خلال دقائق جاء التأكيد من قسمٍ آخر للبوليس أنهم وجدوا جثة لامرأة وطفل في إحدى الغابات المجاورة للبلدة، أبلغوه الخبر فبكى وصرخ ولطم، قال أحدهم قد لا تكون زوجتك، لكن قلبه أخبره أنها هي، اثنان من زملائه في العمل ونتيجة خلاف بسيط يتهجمون على بيته، ويقتحمون الباب محطمين إياه، خطفوا زوجته وطفله الصغير، في الغابة تُغتصب الزوجة أمام طفلها، وحين يصرخ الطفل، تُسكت صراخه صخرة بحجمه مرتين، ليسيل دمه نحو شفتيه يتذوقه ظناً منه أنه الحليب وهو الجائع والمرتعب، تُغتصب الأم بكل وحشية، يتناوب عليها الوحوش، وعلى جسدها الغض. ويغتصب حتى الطفل داخل رحمها بلا رحمة، وبعد الشبع الجنسي يقوم الجناة وبكل حقد بقتلها رمياً بالحجر حتى يتهشم رأسها وتفارق الحياة.
مغتصبة أحلامنا كسوريين حتى خارج حدود وطننا المغتصب منذ أربعين عاماً ونيف، ويقتل الشريط الحدودي فينا كل حلم جميل لنموت هنا غرباء أذلاء اغتصبت أحلامنا حكومات قبل أن يغتصبنا ممن وثقنا بهم.