الرقة بوست ـ يوسف دعيس

إثر وصول معركة تحرير الموصل إلى نهايتها، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد لعناصر منضوية تحت لواء الجيش العراقي، تقوم بإلقاء أشخاص من جرف عال، وبعدها يقوم الجند برشقهم بوابل من الرصاص في صورة تُظهر حالة من الانتقام المتجذر، والمصحوب بالتشفي والتهكم من الضحايا، وكانت بعض صفحات التواصل الاجتماعي قد تناقلت قبلها مشاهد تعذيب لعناصر من قوات سورية الديمقراطية تقوم بضرب وإهانة بعض المدنيين بصورة وحشية لانتزاع اعترافات منهم عن أماكن تواجد الدواعش، وكانت قبل ذلك وفي الأيام الأولى لمعركة تحرير الموصل قد تناقلت وسائل الإعلام وصفحات الفيسبوك والتويتر خطاباً لقيس الخزعلي زعيم ميلشيا عصائب أهل الحق، التي تحارب ضمن تشكيل الحشد الشعبي العراقي، يصف فيه معركة الموصل بأنها انتقام وثأر من قتلة الحسين، وبأنها تمهيد لإقامة دولة العدل الإلهي، ويصف أهل الموصل بهؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد، وأيضاً تردد في معركة تحرير الرقة النداءات التي أطلقها عناصر قوات قسد، والتي تدعو لعدم نسيان ما حصل في كوباني، وأيضاً الفيديو الذي يمارس فيه عناصر آخرين حفلة إعدام لمدنيين، ويظهر فيه شاب يتوسل العناصر، ويقول: “والله ما لي شغل.. دخيلك يا خي”، ويصرخ فيه العنصر بعد أن يرشقه بالرصاص: “هذا مصير كل داعشي يقاتل اليبغا، هذا مصير كل من يقاتل المسلمين”، وعنصر آخر يقول: “أنا ما أخذت حقي”، ويتابع رشق جثث المعدومين بموجة طويلة من الرصاص.

بعض هذه المشاهد أعادت إلى الأذهان صور المجازر التي ارتكبها عناصر النظام بحق مدنيين عزل في قرى ريف حمص وحماة وطرطوس ودمشق ودرعا، ومنها صورة الطفل الذي يرجو أحد المسلحين بقوله، “مشان الله عمو لا تذبحني بالسكين”، وأيضاً صور إلقاء الجثث في هوتة سلوك، والإعدامات في أقبية سجون النظام والميلشيات الأخرى.

في مجمل هذه الصور تتجلى الحالة الإجرامية التي تأسست على حالة انتقامية من الضحية (الضعيف) في مشهد يؤكد على حالة واحدة هي التأسيس والتأصيل لحالة الذعر والخوف في نفوس المجتمع، وإحداث الصدمة والألم في نفوس من يشاهدون هذه الأحداث، وفي ظل انعدام الأمن وشيوع الفوضى، تبرز على السطح أهمية البحث عن المخلّص، القوي الذي يحقق الأمن والاستقرار، وهذا أحد أهم تجليات متلازمة استوكهولم في الانحياز للقوي أو المستبد أو الطاغية، الذي سيكون بالضرورة حامي الحمى، وباسط الأمن، وناشر العدل.

النظام ينتقم من أهالي المدن المنتفضة ضده لأنه يعتبرهم الحاضن الموضوعي للإرهاب، والحشد الشعبي ينتقم من أهل الموصل لأنه يعتبرهم أحفاد قتلة الحسين، وداعش تنتقم من رعاياها لأنها تعتبر جزءاً كبيراً منهم كفاراً ومرتدين ومتعاملين مع التحالف والنظام، وقسد تنتقم لكوباني واليبغا والديمقراطية والحق الضائع على حساب دماء أهل الرقة لأنها تعتبر كل من بقي في مناطق داعش هو بالضرورة داعشي.

التركيز على إحداث الألم والصدمة والتأسيس لحالة الخوف، وتأصيل حالة الانتقام تؤكد أننا لن نخرج من عنق الزجاجة بسهولة، بل سنكون في موقع أشد تعقيداً، وأشبه بمن يُخرج الفيل من خرم إبرة، وأخشى ما أخشاه أن نكون كلنا مجتمعين ورثة لانتقام لن يحصد إلا انتقامات نتوارثها كابر عن كابر، وفي ذلك نصل ذروة الجهل والتخلف ولن نحصد إلا الهباء، وستكون العدالة هي القيمة الوحيدة الغائبة من المشهد اليومي للأحداث، في ظل ارتفاع راية الديمقراطية كشعار زائف لكل الأطراف.