وجود عشرات الجثث المدفونة تحت الانقاض (انترنت)

عبدالقادر ليلا – المدن

يُقدّرُ عدد المدنيين المحاصرين في مدينة الرقة، في إحصاءات غير رسمية، بـ40 ألفاً، يُقتلُ منهم العشرات يومياً، في المعارك التي دخلت شهرها الثالث. وقد وثّق إلى الآن مقتل ما يزيد عن 1500 مدني منذ اعلان بدء السيطرة على المدينة، قبل شهرين.

عملية تدمير المدينة قائمة؛ فما تأخذه “قوات سوريا الديموقراطية” مدعومة بطيران “التحالف”، يسترده التنظيم بالعربات المفخخة، وما تسيطر عليه “قسد” نهاراً تخسره ليلاً. التنظيم كان قد أوقف تقدم “قسد”، السبت، بأربع عربات مفخخة؛ ثلاث منها على أطراف مساكن الضباط بالقرب من نزلة شحادة يقودها تونسيان وسويدي وسمع دوي انفجاراتها في ضواحي المدينة، وأودت بحياة العشرات من “قسد” بحسب “وكالة أعماق”، أما العربة الرابعة كانت من نصيب مطعم الأرض السعيدة بالقرب من مساكن الادخار.

وتمتد خطوط الاشتباك على أطراف المدينة الأربع، فمن الغرب استطاعت “قسد” التقدم نحو مساكن الادخار والسيطرة على الدوار في معركة استمرت لأكثر من شهر. المساحة الاجمالية التي سيطرت عليها “قسد” لا تتجاوز كيلومتراً مربعاً، قضى فيها العشرات من الطرفين. وفي هذه الجبهة، يوجد العشرات من المقاتلين الأجانب؛ ألمان وبلجيك وأميركيين، في صفوف “قوات حماية الشعب” الكردية، ويبدو أن صور”كتيبة المثليين” التقطت في هذه المنطقة، في حين تقدمت “قسد” من الجهة الجنوبية الغربية بعد نزلة شحادة، لتصل إلى مبنى مدرسة طارق بن زياد، وتصبح على مسافة اقل من 500 متر عن وسط المدينة، ولا يفصلها عن شارع النور ومشفى الاطفال إلا أوتستراد حلب.

وفي الجهة الشمالية، هناك تجميد للقتال بعدما عجزت القوات المهاجمة (رغم المساندة المباشرة من القوات الخاصة الاميركية والمدفعية الفرنسية) في اختراق خطوط الدفاع في محيط “الفرقة 17” ما اضطرها لوقف القتال وتغيير الخطة ومحاولة الهجوم من الجهة الجنوبية المحاذية لسرير نهر الفرات، على الرغم من أنها مناطق منخفضة ومكشوفة.

ومن الشرق استطاع التنظيم ردّ “قسد” وطردها حتى وسط حي الصناعة، بعد تقدم كبير كانت قد حققته قبل اسبوعين، لتخسر “قسد” كامل المنطقة وتعود خطوط الاشتباك كما كانت قبل شهر.

وحاولت “قوات سوريا الديموقراطية” ربط سوق الهال من جنوب شرقي المدينة على ضفة النهر، بمفرق الطيار جنوب غربها، عبر كورنيش النهر، واستطاعت الوصول إلى فرع “الأمن السياسي”، والسيطرة على بعض الأحياء الشعبية المحيطة بفرن مرعي. لكن انتشار قناصة “داعش” على الأبنية العالية في شارع هشام بن عبدالملك، جعل من مهمة “قسد” صعبة جداً، إذ يتمكن قناص واحد متمركز في شارع المنصور من رصد الطريق من المتحف حتى نهر الفرات جنوباً.

التقدم الجزئي و”المؤقت” الذي تحرزه “قسد” على حساب التنظيم، يذهب ضحيته المدنيون في المدينة، ممن تتساقط عليهم القذائف بعمليات التمهيد العنيفة والعشوائية. إسعاف المدنيين إلى المستشفى الحكومي، صار أمراً متعذراً بسبب القذائف العشوائية والطائرات التي تتعامل مع كل متحرك على أنه “هدف إرهابي”. عائلة محمد رسول الزنة، قضى منها 17 شخصاً، بينهم أطفال ونساء، كانوا في ملجأ عندما استهدفهم الطيران الحربي، قبل يومين.

“داعش” وبعدما شعر بفقدان السيطرة، وبسبب خشيته من أي تمرد متوقع من المدنيين أو المقاتلين، لجأ إلى أساليبه الدموية كالاعدامات في مفارق الطرق والساحات. لم يكترث لذلك أحد هذه المرة، فالناس مشغولة بموتها، غير مبالية بمشاهدة موت الآخرين.

وتجوب شوارع المدينة مجموعات من المراهقين المنتسبين لجهاز “الحسبة”، لتأمين “تطبيق شريعة الله وحسن سيرها”، في حالة خرافية من انكار الواقع. ويتحدث هؤلاء الصبية عن “دولة الخلافة الإسلامية وتطبيق أحكامها” وكأن لا شيء يحصل على بعد 500 متر منهم.
ورابط المقاتلون الشيشان والأوزبك على جبهة القتال الغربية، مع زوجاتهم القناصات البارعات، ويبدو أن هؤلاء لن يستسلموا، حتى آخر قطرة دم.

أحد الهاربين حديثاً من المدينة، أكد لـ”المدن”، وجود عشرات الجثث المدفونة تحت الانقاض، أو المرمية على خطوط التماس تنتظر من يواريها القبور. الشاهد أكد أنه قبل أيام، سقط بناء من 5 طوابق على مصطفى عطبة (40 عاماً) وما زال حتى اللحظة تحت الانقاض لعدم توفر الآليات والمنقذين.

أما الألغام التي زرعها التنظيم على أطراف المدينة فكانت بانتظار عائلة العليج المكونة من 8 أفراد، الجمعة، عندما حاولوا الفرار من مفرق الحصيوة. اللغم الذي انفجر بهم، تركهم أشلاءً ممزقة، يحسد فيهم الطيب الميت.

تقول سيدة خرجت مؤخراً من الرقة، لـ”المدن”، إن “المنطقة من شارع سيف الدولة شرقي جامع عمر بن الخطاب، وحتى حي الصناعة، مُدمرة، وإن حارات بأكملها قد دمّرت بشكل كامل وسويت بالأرض. هذا عدا عن انقطاع الكهرباء والماء منذ شهرين، وانعدام أبسط أنواع الأدوية إلا في مستودعات التنظيم، والتي هي حكر على مقاتليه ومبايعيه.

وفي ظل انعدام الخضار والفواكه، اعتمد الأهالي على بعض البقوليات المتبقية والخبز والتمور والشرب من مياه الآبار الملوثة. أم أحمد، قالت في اتصال مع “المدن” إنها جففت الباذنجان والبندورة قبل الحصار، وقد شارف مخزونها على النفاذ، رغم أنها تستخدمه بحرص وحذر. وتضيف أنها وباقي النسوة يستخدمن ورق العنب بغير طرقه المألوفة، كالفرم والطبخ بالشوربا، وقد بدأت عمليات تجريب بعض أوراق الأشجار، واذا ما استمر الحصار لأسابيع أخرى، ستأكل المدينة أوراق الشجر.

تفاصيل المعاناة التي يعيشها المدنيون، ليست مقتصرة على القصف والجوع. وأفضل الحلول لعلاج ألم الأسنان هي حب القرنفل، أو القلع بعدة النجارة المنزلية. يروي أحد الأطباء الهاربين من الرقة، أن أبو ابراهيم، مريض السكري، لم يتم اسعافه إلى المشفى عندما أصابته غيبوبة بسبب ارتفاع السكري المفاجئ بسبب انعدام وسائل العلاج في المشفى عدا عن الطريق المحفوف بمخاطر الموت، لذلك فقد وضعوه في قبو البيت، وتحلق حوله أقرباؤه ينتظرون وفاته او شفائه، وهم لا يملكون من علاج الا الدعاء والابتهالات والنحيب حتى فاضت روحه.

الرقة مدينة منذورة للموت والخراب، يهدمونها فوق رؤوس أهلها، مرة باسم الإسلام، وأخرى بذريعة الديموقراطية.