الرقة بوست ـ عروة المهاوش
لم تنفع محاولات أبنائه المستمرة ولا استعطاف قلبه الكبير بدموع منهم على يديه المباركتين ، ولا دموع أحفاده حين حاصر الموت والقتل مدينة الرقة من كل جانب قالها بكلمة واحدة لأبنائه وهم الذين يعلمون حين يقول لا يتراجع أبداً : هنا قبري وأشار بعصاه نحو زاوية البيت ، وكيف لايفهم الأبناء أن الروح تخرج من الجسد حين يغادر كبير البيت العش الذي ولد به وتربى أطفاله فيه ، ففي هذه الزاوية من البيت ولد الابن البكر، وفي تلك الفسحة كان ملعبه مع أخواته، وهنا كان عرس الأصغر منهم وهنا قبري .
أشاح بوجهه المنير نحو اليمين قليلاً حين قبل رأسه آخر المغادرين نحو الشمال القاتل ، يحبسها في المحاجر مثل كرة البارود فولاذية ، يشير بيديه لمن حوله أن التزموا الصمت ويطرق برأسه ليستمع وقع خطوات المغادرين على الأرض ، يعد الخطوات ويعرف كم بقي لهم حتى يصلون الباب الخارجي ، يسمع صرير الباب الحديدي قد فتح ، ينصت بانتباه شديد وتتسارع نبضات قلبه ، لاشيء سوى نحيب الوداع وصوت البكاء يصم أذنيه التي اعتادت صوت ترتيل الآيات وصوت الآذان والدعاء،دمعتان تبلل لحيته البيضاء لحظة إغلاق الباب فقلبه يخبره أن من خرج لن يعود أبداً فهذا الوداع الأخير يستحضر كل أدعية السفر في قلبه ويكثر منها متضرعاً لربه أن يحميهم من شرور الطريق ليصلوا مبتغاهم سالمين آمنين .
اسقِ العطاش ….!!
قبل أسبوع من اليوم فجع الشيخ بأكبر أبنائه محمد الذي رفض أيضاً مغادرة المدينة والحي والبيت ، والذي لم يسبقه أحد قبلاً من أبناء الرقة بفعل الخير وتقديمه للناس ، مآثره كثيرة ، وخفية أيضاً وغير ظاهرة للعيان فكم من عوائل فقيرة عاشت برعايته وبفضل من الله ،في سنين شبابي صليت كثيراً بجامع الليلات في شارع سيف الدولة وكنت على إطلاع لرفض وزارة الأوقاف لرفض استلام الجامع من المتبرعين حتى تنفيذ الشروط المتبقية وهي بناء محلات تجارية ومبنى لسكن الأمام ، بعد سنوات كثيرة تم الأمر،
وتم تسمية الجامع “مسجد عمر بن الخطاب” وبقي في الذاكرة اسمه القديم “جامع الليلات” .
حين اشتد القصف على الرقة وبات من المستحيل على الأهالي جلب المياه من نهر الفرات ، حفر بئراً أمام بيته في الثكنة كي يخفف من فاتورة الدم التي أصابت أهل مدينته، رغم كل مخاطر الأمر إلا أنه فعلها لوجه الله تعالى ، لم يستثنه الموت غدراً فارتقى إلى بارئه مبتسماً .
شيخ الشهداء التسعيني
في ثمانينات هذا القرن سكن الشيخ في الثكنة ، لم يكن ليستطع العيش بمكان لامسجد  فيه ، كان يبحث عن صوت الآذان الذي يطرب مسامعه، ولم يكن أيضاً الوضع الأمني ليسمح بفكرة بناء جامع فقد كانت المضايقات الأمنية على أشدها حينها وتهمة الإخوان المسلمين جاهزة لكل ذي ذقن ويتردد باستمرار على الجامع لأداء فرائضه، لكنه استخار ربه وبقوة إيمانه اشترى أرضاً صغيرة قريبة من بيته، وبمساعدة من أهالي البر والخير استطاع أن يسمع أخيراً الصوت الذي يحب سماعه بجانب بيته ، بيته قبره الذي دُفن بقربه يوم أمس كي يسمع دوماً صوت المؤذن داعياً الناس للصلاة .