النظام يعود إلى الحياة في ريف الرقة الشرقي

الرقة بوست _ يوسف دعيس

ارتفعت فاتورة الدم التي يدفعها أهل الرقة خلال الأسبوعين الفائتين، مع دخول قوات العشائر التابعة للنظام على الخط من خلال تفاهماتها مع قوات قسد المدعومة من التحالف الدولي، والتي بدأت بتقدمها المدعوم بإسناد جوي روسي، ومهد الطريق لها باتباع سياسة الأرض المحروقة، ما أدى لحدوث مجازر وحشية في مناطق ريف معدان والسبخة.

وكانت قوات العشائر التي يقودها المتمرد تركي البوحمد قد أحيت بتواجدها في المنطقة مسألة غاية في الأهمية، يعمل عليها النظام، وهي متعلقة بنقل النفط الخام من حقول النفط في الجزيرة السورية عبر الأنابيب التي تمر من مواقع الإنتاج إلى محطات صباح الخير والحمرات ثم إلى العكيرشي في منطقة الشامية، مروراً بالبادية ثم إلى مصافي التكرير في حمص والساحل السوري.

وكما كان يفعل النظام عبر وكلاء محليين بعقد اتفاقات للحصول على النفط من داعش مقابل الدولار أو الذهب، وتمرير الغذاء والدواء للمناطق الخارجة عن سيطرته، مقابل استيراد القمح والمنتجات الزراعية الأخرى، وهو ما يؤكده بروز أسماء مثل جورج حسواني وحسام قاطرجي، وغيرهم ممن تنشط فعالياتهم التجارية ما بين النظام وأمراء الحرب وقوى الأمر الواقع التي تسيطر على المناطق الخارجة عن سيطرته.

المجازر الوحشية التي ارتكبها الطيران الروسي وطيران النظام، وقوات العشائر أكثر من أن تحصى، فقد قام مركز التوثيق في صحيفة الحرمل بتوثيق استشهاد أكثر من 60 شخصاً في مناطق معدان والسبخة، وقام الطيران الحربي باستهداف مخيمات النزوح العشوائية في المنطقة، ثم تابع قصفه بالرشاشات والقنابل المواطنين الهاربين من جحيم الموت إلى الحقول الزراعية، وكانت الحصيلة مفجعة إذ ارتقت عائلات بأكملها، كما حدث لعائلات خلف الفالح (تسعة شهداء)، وعبد الله حسن حمادي (سبعة شهداء)، والمانع والعساف (اثنا عشر شهيداً).

ويقول الصحفي عروة المهاوش مسؤول التوثيق: المجازر الوحشية التي ارتكبها النظام وطيران الروس والتحالف الدولي، لم تقتصر على ريف معدان والسبخة، بل استمر مسلسل القتل اليومي بحصد أهل الرقة، فقد ارتقى من أسرة الزنة 17 شهيداً في قصف التحالف لمنزلهم وسط مدينة الرقة، وارتقت عائلات بالكامل مثل عائلات الجبين والسلامة والمجبل، وبلغ عدد الشهداء الذين ارتقوا في محافظة الرقة خلال الأسبوعين الفائتين ممن استطعنا توثيق أسمائهم أكثر من 220 شهيداً، منهم 160 شهيداً في الرقة، نتيجة قصف الطيران والقصف المدفعي والقنص والألغام والغرق، وفيهم أربعة تم إعدامهم من قبل عناصر داعش، بينهم أحد مقاتلي قوات قسد.

ويتابع المهاوش: إن عمليات توثيق استشهاد المدنيين عملية صعبة جداً، ونحاول عبر التواصل مع الداخل بظروف صعبة جداً تسجيل الأسماء وأماكن حدوث الواقعات.

أما بالنسبة لحجم الدمار في مدينة الرقة، فقد وصلت إلى نسبة 100% بالنسبة للمباني الحكومية والبنى التحتية، فيما تجاوزت نسبة الدمار الكلي في مدينة الرقة 40%، وحجم الدمار الحقيقي يعكس الصورة الحقيقية لواقع الحال، ونظرة التحالف وقوات قسد والعشائر التي تنظر إلى أهل الرقة كدواعش في صورة تعكس غياب الإنسانية والحس الإنساني في التعامل مع سكان الرقة الأبرياء، وكما يفعل التحالف الدولي في ممارسة القتل العمد، تشاركه قوى العشائر وقسد، التي تعيد إنتاج القتل اليومي الذي كان يمارسه النظام المجرم بحق أهلنا العزل.

أما بالنسبة للواقع الميداني فقد أشارت الأخبار الواردة من الرقة بأن قوات داعش استطاعت التقدم باتجاه شرق الرقة، واستردت جزءاً كبيراً من حي الصناعة، وما زالت الاشتباكات جارية إلى ساعة إعداد هذا التقرير، فيما قام التنظيم باستخدام المفخخات لإيقاف تقدم قوات قسد في منطقة نزلة شحاذة، كما قام بتفجير سيارة مفخخة في منطقة الكرامة.

القوى المتحاربة على الأرض لم تترك خياراً للنجاة لأهل الرقة، فقد غابت الطرق الآمنة لخروج المدنيين، ومن يستطيع الخروج من الرقة، تنتظره طلقات القناصين المنتشرين على أطراف المدينة من الطرفين، وإن نجا أحد منهم، فالموت ينتظره بمخلفات الألغام التي زرعها التنظيم بالأراضي الزراعية والطرق والبيوت التي يتركونها خلفهم، أما حال جثث المدنيين الذين يقضون نتيجة القنص أو الألغام، فلا تجد من ينتشلها لصعوبة المرور في هذه المناطق، ما أدى لتفسخ معظمها، فيما بعض الجثث ما زالت تحت الأنقاض لتعذر انتشالها.

الوضع الصحي يشهد تدهوراً كبيراً نتيجة خروج معظم المشافي عن الخدمة، وتوقف العمل في أكثر من قسم من المشفى الوطني في الرقة، في ظل غياب كبير للكادر الطبي، وندرة الدواء، وتعذر إسعاف المصابين نتيجة أعمال القنص والقصف المتتابع، إضافة لقيام الطيران المسير من دون طيار بقصف أية آلية أو حركة على الأرض.

إنسانياً تشير الأرقام إلى أن سكان الرقة المدنيين ممن آثروا البقاء في المدينة يتجاوز عددهم الخمسين ألفاً، يعانون من نقص كبير في المواد الغذائية والخضار، نتيجة عدم سماح قوات داعش وقسد بدخول أية سيارة إلى المدينة خوفاً من وجود أسلحة أو ذخيرة أو متفجرات ضمن حمولتها، مما اضطر بعض العائلات الاعتماد الكلي على البقوليات المخزنة والخضروات المجففة، وهي عرضة للنفاد في وقت قريب.