سيطرت قوات النظام والمليشيات الموالية لها، الجمعة، على بلدة السبخة إحدى أهم بلدات ريف الرقة الشرقي على الضفة الجنوبية لنهر الفرات، بعد معارك عنيفة مع تنظيم “الدولة الإسلامية”، استمرت لثلاثة أيام.

وبعد سيطرتها على السبخة، واصلت قوات النظام والمليشيات عملياتها العسكرية، مستفيدة من غارات متواصلة نفذتها المقاتلات الحربية الروسية، وأخرى تابعة للنظام، على قرى ريف الرقة الشرقي لتحقق مزيداً من التقدم على حساب التنظيم، وسيطرت على عدد آخر من القرى، منها شريدة شرقية وغربية والغانم العلي ومغلة صغيرة وكبيرة وقرية 6 تشرين. ووصلت إلى مشارف مدينة معدان، أخر معاقل التنظيم في ريف الرقة الشرقي.

وخسر تنظيم “داعش” 50 عنصراً على الأقل في تلك المعارك، كما تكبدت مليشيات النظام خسائر تجاوزت 120 عنصراً معظمهم من مقاتلي مليشيات “قوات العشائر” و”النمر” التابعة لسهيل الحسن.

مليشيات النظام اتبعت في معاركها مع التنظيم، تكتيكات الأرض المحروقة والتي تكفلت بها مقاتلات حربية روسية وأخرى سورية، وتلقت تلك البلدات والقرى عشرات الغارات الجوية والبراميل المتفجرة، كما تم استخدام أسلحة محرمة دولياً بينها الفسفور الأبيض في عمليات القصف. كما اعتمدت مليشيات النظام على أبناء المنطقة المنتمين لها، خاصة مليشيا “قوات مقاتلي العشائر”، ما أعطاها ميزة القدرة على التحرك والمناورة، بسبب معرفة هؤلاء المقاتلين بجغرافيا تلك المناطق.

مصدر من ريف الرقة الشرقي، قال لـ”المدن”، إن القصف الجوي العنيف، تسبب في مقتل عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال ودمار عشرات المنازل والمنشآت العامة، خاصة المشافي والمدارس ومراكز الاتصالات في عموم الريف الشرقي. كما تسببت العمليات العسكرية بنزوح أكثر من 150 ألف مدني، باتجاه قرى ريف ديرالزور الغربي ومناطق سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” المتواجدة على الضفة اليسرى لنهر الفرات. وأضاف المصدر، أن مليشيات النظام، قامت بسرقة محتويات المنازل من أثاث وآليات وحبوب، في جميع القرى التي سيطرت عليها. كم تم اعتقال عدد من الشبان الذين كانوا متواجدين في تلك القرى أثناء محاولتهم عبور حواجز المليشيات إلى ريف الرقة الغربي وريف حلب الشرقي هرباً من المعارك.

مليشيات النظام أشغلت محوراً إضافياً بالتزامن مع العمليات العسكرية المستمرة في محيط مدينة معدان، محاولة التقدم عبر الطريق الدولي “المدحول” في البادية الجنوبية شرقاً باتجاه الحدود الإدارية لمحافظة ديرالزور. وسيطرت المليشيات على منطقة ثليثوات. ويهدف توغلها في البادية للسيطرة على جبل البشري، أكثر النقاط ارتفاعاً في البادية، لشلّ حركة التنظيم ورصد أرتاله، وتجميد عملياته التي تعتمد على التسلل والسرعة والمباغتة والتي تكبد ميلشيات النظام في كل مرة الخسائر البشرية في صفوفها وفي عتادها الحربي.

تنظيم “الدولة” استقدم تعزيزات إضافية إلى منطقة معدان وجبل البشري، لتغطية الثغرات العسكرية على تلك الجبهة، في محاولة لصد هجمات مليشيات النظام ومنعها من التقدم إلى محافظة ديرالزور عبر ريفها الغربي.

وأجبرت المعارك الدائرة جميع أهالي ريف الرقة الشرقي، الممتد من بلدة العكيرشي وحتى مدينة معدان على النزوح إلى ريف ديرالزور، وسط ظروف إنسانية سيئة للغاية، لعدم توافر الأماكن لإيواء النازحين الذين يفترشون الأراضي الزراعية وأطراف البادية منذ أيام، إضافة لعدم توافر الرعاية الصحية وعدم قدرة الكثير من العائلات على تأمين قوت يومها، بعد تركها لكل ما تملكه من قمح ومواشٍ وأموال داخل قراها نتيجة القصف المكثف.

مطامع النظام لا تقتصر فقط على إكمال سيطرته على ريف الرقة الشرقي فقط، بل يريد التقدم والسيطرة على محافظة ديرالزور. والفرصة سانحة أمامه خاصة بعد تحييده لأكبر منافسيه؛ “قسد”، التي أبرم معها اتفاق العكيرشي، القاضي بالسماح لمليشيات النظام، دخول ريف الرقة لمحاربة تنظيم “الدولة”، بتوافق روسي-أميركي، محتمل.

ويُحتمل تقدم مليشيات النظام، بعد ريف الرقة الشرقي إلى محافظة ديرالزور، عبر ثلاثة محاور رئيسية، لفك الحصار المفروض على قواتها منذ العام 2013. والمحور الأول هو طريق ديرالزور-الرقة، الذي يبدأ من مدينة معدان إلى قرى الريف الغربي المحاذية لنهر الفرات. والمحور الثاني عبر البادية وينطلق من جبل البشري مروراً ببادية ديرالزور إلى “اللواء 137” الخاضع لسيطرة قوات النظام غربي الدير. بينما يعتبر طريق دمشق-ديرالزور من جهة السخنة شمالاً، هو المحور الثالث.

وتعد ميلشيات النظام، الأقرب إلى محافظة ديرالزور وذلك لانشغال “قسد” في معارك مدينة الرقة وغياب الفصائل المحلية الديرية عن المشهد؛ إما لأسباب جغرافية تحول دون تقدمها إلى المحافظة كما حصل مع “جيش أسود الشرقية” و”مغاوير الثورة” بعدما تمكنت مليشيات النظام من حصارهم في البادية السورية، أو لأسباب أخرى تتعلق برفض المعارضة القتال إلى جانب “قسد” وغياب أي رؤية لمشاريع تهدف لتحرير المحافظة، خاصة بتلك الفصائل.

وتناقلت مواقع المعارضة، خبر اندماج “جيش أسود الشرقية” و”قوات مغاوير الثورة” التابعين للجيش الحر من أبناء ديرالزور، ضمن تشكيل موحد، سيبدأ التحرك من الجبهة الجنوبية للوصول إلى ديرالزور. وجاء في نص البيان: “تم اللقاء بين أبناء ديرالزور المتمثلين بجيش أسود الشرقية ومغاوير الثورة وأحرار الشرقية وجيش الشرقية، والقادة الثوريين والعسكريين، وتم إتخاذ قرار تشكيل لجنة مؤقتة تكون مفوضة بإتخاذ القرار الصحيح لتحديد الجبهة الأمثل عسكرياً وجغرافياً للإنطلاق منها لتحرير محافظة ديرالزور ولتكون هذه اللجنة نواة تواصل مع كافة مكونات المحافظة من أجل التوصل إلى العمل المشترك الواحد”. وقد “اجتمعت اللجنة المؤقتة المكلفة بهذا العمل وقررت اختيار الجبهة الجنوبية في البادية كخيار أنسب للوصول إلى ديرالزور وتحريرها في هذه المرحلة. والعمل على تعبئة كافة الطاقات البشرية والمادية والإعلامية بإتجاه هذه الجبهة. ونهيب بأبناء محافظتنا كافة الإرتقاء بالمسؤولية والشعور بالواجب الديني والثوري والأخلاقي بإتجاه أهلنا، وعليه ندعوا الجميع لدعم هذه الجبهة والإلتحاق بها”.

وتعتبر هذه الخطوة لفصائل المعارضة المنتمية للجيش الحر والمتواجدة بأغلبها في بادية التنف السورية، مهمة جداً، إلا أنها متأخرة جداً في ظل تقدم مليشيات النظام المتسارع باتجاه الدير. وتعتبر قدرة ميلشيات النظام على التحشيد البشري والعسكري، وما تتمتع به هذه المليشيات من أفضلية نارية، وطيران استطلاع، بالإضافة إلى الطيران الحربي القادر على شّل حركة التنظيم في المناطق المستهدفة وحرمان التنظيم من عنصر المفاجئة وتنفيذ ضربات نوعية معاكسة أسباب إضافية تعزز فرضية أن النظام هو الأقرب إلى محافظة ديرالزور.

المدن