عبد الرحمن مطر – جيرون

تضيف الولايات المتحدة أحجية جديدة إلى سجلها الطويل، في التردد والغموض والتقلّب، إزاء الحالة السورية، حين تجد لنفسها مشاجب جديدة تُعلّق عليها تأجيل اتخاذ مواقف حاسمة حيال ما يحدث في سورية، منذ ستة أعوام. في وقت ينبغي لدولة مثلها وفي مكانتها، أن تكون سبّاقة للقيام بدور أساس في حفظ السلام وحماية المدنيين، يُفترض أنها منوطة به، بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وبحكم قانون القوة الذي تستند إليه في فرض ما يحقق مصالحها وسياساتها الاستراتيجية.

هل تحتاج واشنطن إلى أن يذّكرها أحدٌ بالتزاماتها؟ في كل الأحوال، فإن ضبابية الإدارة الأميركية الجديدة في هذا الشأن، حتى اليوم، هي أشدّ مرارة على السوريين، من مواقف سابقتها الديمقراطية.

مناسبة هذا الكلام، هي التصريحات التي ندّت عن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، قبل أيام، بشأن “حلّ الملف السوري”، مشترطًا الانسحاب الإيراني من سورية، دون أن يغفل تأكيده على الشراكة مع روسيا.

الواقع، تبدو واشنطن ملتزمة بالتفاهمات التي عقدتها إدارة أوباما مع روسيا، تتولى بموجبه الأخيرة إنجاز حل في سورية، دون الإخلال بمصالح الولايات المتحدة، على الرغم من أن توجهات ترامب ترمي إلى إحداث تغيير جذري في الاستراتيجيات التي انتهجتها الإدارة السابقة، ومنها المسألة السورية، مع توسعٍ ملحوظ في مروحة الأهداف الأميركية، على حساب الدور الروسي، تبدو نتائجه على الأرض واضحة المعالم، لجهة تقاسم النفوذ في المناطق السورية، والصراعات الخفية التي تظهر بين الحين والآخر، بسبب خلافاتهما العميقة حول ذلك. فيما تستمر التجاذبات السياسية، بمنح مزيد من الوقت والآليات لروسيا والنظام وشركائهما، في المضي قدمًا في سياسات إعادة إخضاع المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، خلال السنوات الماضية، بالحصار والتجويع، وفرض الهدنة وتهجير أهالي المناطق مع المسلحين؛ ما يمهد لتحقيق مناطق آمنة، بالنسبة إليهما، وفقًا لما ترسمه موسكو من توجهات للحل في سورية، جوهره إشراك المعارضة في حكومة وحدة وطنية جديدة، بإدارة النظام الأسدي.

ولكن حديث تيلرسون عن إيران يبدو خارج السياق تمامًا؛ فليس التواجد الإيراني هو المعضلة الأساسية، وإن كان ذا قدرة على تعطيل أي حلّ، لكن القرار السياسي، في حال التوافق عليه، سيجبر طهران على الانكماش. وتمتلك الولايات المتحدة من الآليات والسياسات ما يمكنها من ذلك، لو شاءت. طهران هي شريك للولايات المتحدة اليوم، سواء بموجب اتفاق النووي، أو في توافق البيت الأبيض مع الكريملين، بشأن سورية. لم ترفض واشنطن جهود موسكو، ولم تعرقلها، كما أنها لم تضع ثقلها السياسي: إرادتها، لدعم أيٍّ من مسارات التفاوض ومنصات العمل السياسي لإيجاد حل.

إيران هي طرف في كل المسارات القائمة، بالقدر الذي تتواجد فيه كقوة احتلال رئيسة، خاصة في العاصمة دمشق، وما حولها، ثم في حلب، عبر تواجدها المباشر، أو عبر الحرس الثوري و”حزب الله”، والميليشيات الإرهابية الطائفية الأخرى التي تمعن في قتل السوريين.

مع ذلك، فاتخاذ موقف حاسم بشأن إيران، هو أمر لا يصعب على واشنطن أو حتى موسكو التي يُشاع أن ثمة خلافًا بينهما حول مناطق خفض التوتر، وغيره. فهذه مجرد إشكالات بين قوى تحالفت على دعم نظام الأسدية، وضمان استمراره، بكل الوسائل التدميرية الممكنة. هذه نقطة الاتفاق الجوهري، والولايات المتحدة غير معنية بالتدخل في هذه المسائل، إلا حين تتهدد مصالحها وتتعرض للخطر. وفي اعتقادنا ليس ثمة من يجرؤ على ارتكاب حماقة كهذه، لأن تفاهماتها أعمق وأشدّ ثباتًا.

الخلافات الجوهرية بين هذه الأطراف الثلاثة: واشنطن وطهران وموسكو -بعد إقصاء تركيا- هي تنازع على مناطق النفوذ في سورية، في الوقت الذي تقترب فيه وجهتا النظر الأميركية لضرورة تقليص أو لجم الدور الإيراني إلى الحدّ الأقصى، وحرمان طهران من إنجاز منطقة نفوذ آمنة لها عبر وحدة جغرافية متصلة عبر العراق وسورية، إلى لبنان. وهذي أهم أسباب توسيع منطقة عمليات التحالف الدولي في البادية السورية، بما فيها الحدود الدولية العراقية-السورية-الأردنية.

من اللافت أن يتحدث تيلرسون، بمثل هذه العمومية، وقد يكون منصفًا قولنا إنه تسطيحٌ متعمد لا يتماشى وخطورة الحالة السورية، ودور إيران المحوري في نشأة ونشر الإرهاب، وفي دفع المنطقة برمتها لتصبح على صفيح أكثر سخونة مما هي عليه. وفي واقع الحال، طهران لا تؤسس وجودها في سورية على تدخلها العسكري المباشر، هي والميليشيات التي تتلقى دعمها العسكري، وتعمل بإمرتها، فحسب. إن عمر التواجد والتغلغل الإيراني يعود لثلاثة عقود، مكنت فيه طهران لدورها في المؤسسات الأمنية، ومراكز صنع القرار، وفي الجوانب الاقتصادية والمالية. وهي اليوم تطور وتعزز هذا التواجد الاقتصادي عبر مشاريع جديدة وكبيرة في مناطق مختلفة من سورية، والهدف من ذلك ربط المصالح وجعلها غير قابلة للانفكاك بسهولة، دون أن يتضرر المجتمع السوري.

لا تنظر الولايات المتحدة إلى هذه الجوانب، وهي تتحدث طوال الوقت عن سياساتها الجديدة لعزل إيران، ومعاقبة إيران، ومنع تمددها وتغلغلها في المنطقة، وعن السعي لمراجعة الاتفاق النووي معها. لكن في الحقيقة ما تقوم به واشنطن هو عملية احتواء للدور الإيراني في المنطقة العربية برمتها. وهو احتواء يحقق لها مصالح كثيرة، على حساب شعوب المنطقة، وسعيهم من أجل الحرية والديمقراطية.

لا تزال إيران تنشب أظلافها في الجسد السوري، وتتحكم بإدارة الدولة والمجتمع في العراق، حيث تنتشر ألوية القتل والتدمير، وفي اليمن تواصل دعمها النوعي للحوثيين اللذين تمكنوا من اختراق الحدود السعودية واحتلال قرى، بعد مؤتمر الرياض الذي حضره ترامب، وكُرّس لمواجهة سياسات إيران.

إيجاد حلّ في سورية يتطلب اليوم إرادة أميركية، بكل وضوح وصراحة، وجميع القوى الإقليمية والدولية ستبقى أدوارها جانبية وثانوية. وما يحتاج إليه السوريون هو وقف الحرب الشاملة التي تشنها جميع القوى عليه، وتمعن في استهداف المدنيين تحت شعار أولوية محاربة الإرهاب، فيما يبقى مصدر الإرهاب: النظام السوري – الإيراني، بعيدًا عن حديث تيلرسون، وعن سياسات قادة البيت الأبيض.