الرقة بوست – حسام الحمود

لا تزال آلات الموت بشتّى أصنافها تحصد أرواح مدنيي الرقة منذ بدايات الثورة السورية حتى يومنا هذا، في سبيل فرض السيطرة على الأرض وتسيير أمور الرقة وفق المشروع الذي يحمله فكر المسيطر الجديد في كل مرّة بقوة السلاح.
فقد ذاقت محافظة الرقة الأمرَّين على عهد النظام السوري مثلها كباقي المحافظات السورية الأخرى التي ذاقت ما ذاقته من قصف وقتل وتهجير واعتقال تحت مسمّى أمن الوطن وحمايته من مواطنيه، فكانت بنادق عساكر النظام مشرعة في وجه المواطنين بشكل مباشر لكفرهم برئيس قتل شعبه في سبيل بقائه على كرسي الحكم، وفي شهداء الرقة أمثال محمد قحطان وعلي البابنسي وغيرهم الكثير خير دليل على تعمّد قوات النظام خطف أرواح في ريعان شبابها، ناهيك عن الاعتقالات التعسّفية التي طالت المئات من أبناء المحافظة من غير توجيه تهم حتى، ليغيب أغلبهم اليوم عن واقعنا في غياهب سجون الأسد.
جاءت لحظة النصر بعدها، وتحرّرت المحافظة من قبضة حكم الأسد، لتبدأ حقبة جديدة كانت قد بُنيت عليها آمال كبيرة تحت سيطرة فصائل الجيش السوري الحرّ والفصائل الإسلامية، ولكن تلك المرحلة اتّسمت بشكل كبير بالفوضى رغم أن تحرير المدينة أزال عبئاً كبيراً عن كاهل المدنيين نظراً لزوال التهديد اليومي بالاعتقال أو الإهانة من قبل قوات النظام، ولكن كثرة الفصائل العسكرية التي اتّخذت من المراكز الحيوية في الرقة مقرّات لها وعدم وحدة قرارها سمح لأصحاب المشاريع الخفيّة بالتغلغل في جميع مجريات الأمور في الرقة، وخلق نوع من الفوضى الخارجية وتقديم أنفسهم على أنهم الحلّ الأمثل لضبط المنطقة من خلال الحزم والشدّة اللذين كانوا يتمتّعون بها، وخلال تلك الفترة امتلأت الرقة بالسجون الخفيّة التي يتبع أغلبها للفصائل الإسلامية التي كانت متواجدة أمثال داعش والنصرة، ولم يكن المتّهم بحاجة إلى أكثر من أن يتمّ الشكّ فيه حتى يجد نفسه مخطوفاً ومرميّاً في تلك السجون يسمع آنين هذا وصرخات ذاك.
تبع ذلك الطامة الكبرى التي كسرت ظهر المحافظة، عندما تمكّن تنظيم داعش من فرض سيطرته على كامل الرقة وطرد الفصائل المقاتلة منها لإعلان خلافته التي قامت على جماجم مخالفيه بتهم الردّة والكفر، وهنا بدأ أهل الرقة بتذّوقون ويلات الحكم المخابراتي المصبوغ بصبغة الإسلام، فلم يعد هناك ساحة أو مركز حيويّ في الرقة إلا وشهد عشر إعدامات على أقلّ اعتبار، وأصبحت مفترقات الطرق مصالب لأبناء الرقة المعارضين لحكم التنظيم وسياسته الاستبدادية، وبدأ التفنّن بالقتل والاعتقال على منوال أكثر مما كان شائعاً في فترات حكم النظام، وسكن الخوف قلوب أبناء المحافظة من المصير الأسود الذي يعايشونه، وما سيستجره عليهم من مصائب في الأيام القادمة خصوصاً من التحشّدات الكبيرة التي باتت واضحة للجميع باتجاه الرقة رغم محاولات التنظيم المتكرّرة بعزل مدنيي الرقة عن العالم الخارجي من خلال فرض القيود على مصادر المعلومات كاملة كالتلفاز وشبكات الإنترنيت وكل ذلك بحجج واهية مبطّنة بالمكر.
وفي نتيجة طبيعية بحجّة مكافحة الإرهاب سخّرت الولايات المتحدة الأمريكية دعمها بشكل كبير لصالح وحدات حماية الشعب (YPG) المصنّفة على قائمة الإرهاب الدولية لتبعيّتها لحزب العمال الكردستاني، حالها كحال تنظيم داعش في قائمة الإرهاب، ولكن اعتبرت أمريكا أنه لن يفلّ الحديد إلا الحديد، ولذلك لن يحارَب الإرهاب إلا بالإرهاب نفسه، فقدّمت القوات الأمريكية دعماً استراتيجياً وعسكرياً كبيراً للجسم العسكري الجديد الذي أُطلق عليه قوات سوريا الديمقراطية للتمويه عن قوامه الرئيسي الإرهابي المتمثّل بوحدات حماية الشعب، وبدأت حربها ضد كل شيء حيّ في الرقة بحجّة مكافحة الإرهاب ليسقط كل يوم عشرات القتلى بين صفوف مدنيي الرقة جرّاء غارات التحالف الدولي ومدفعية مليشيات صالح مسلم التي تدكّ ليل نهار منازل المدنيين العزّل في الرقة، وفي الوقت ذاته الذي ينسحب فيه أمراء تنظيم داعش وعناصره آمنين باتجاه ريف دير الزور، وتهبط المروحيّات الأمريكية لانتشال أمراء داعش وعوائلهم من هذا الجحيم ضمن الإنزالات الجوية الغامضة التي تنفّذها قوات التحالف باستمرار في بادية دير الزور المجاورة للرقة.
وعلى هذا الحال رافق الموت أبناء محافظة الرقة كما الظل الذي يرافق الإنسان في شمس حارقة ظالمة لم تغرب منذ ستّ سنين فائتة، ليرتقي كل يوم فيها عشرات الشهداء المدنيين من غير أن يجدوا أحداً يدفنهم أو عين قريبة تجلس بمحاذاة قبورهم تبكيهم، فمن قال إن الحياة عادلة؟!