منذ بدايات أحداث عام 2011 في سوريا عندما ثار الشعب السوري على جلاده الأسد، بدت منعكسات الأزمة الاقتصادية واضحة على أغلب المواطنين في الداخل السوري أو في مخيمات اللجوء خارجه، فقد عانى أغلبهم الأمرين في تأمين لقمة العيش خصوصاً في حالة الغلاء الفاحش الذي اجتاح الأسواق السورية أو اجتاحه السوريون في أسواق دول الجوار، الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من المنظمات الإغاثية التي يتبع معظمها لهيئة الأمم المتحدة، في محاولة لسد جزء يسير من الصدع الذي تشكل بين مصاريف المعيشة الغالية وازدياد نسبة البطالة بين السوريين، بسبب عدم توفر فرص العمل بما يكفي احتياجات العوائل التي غدت بعد ست سنوات عجاف تعيش تحت خطوط الفقر العالمية بأميال.

ولكن ما حدث بعدها جعل بعض هذه المنظمات الإغاثية تتحول إلى دكاكين تتاجر بألم الشعب السوري غير مهتمة بكرامته أو بمصيره، وبدلاً من أن تحافظ هذه المنظمات التي يفترض بها أن تحمل رسالة إنسانية عظمى، تحول بعض منها إلى مجرد دكاكين تتاجر بصور العائلات المسحوقة التي تقوم المنظمات بتسليمها ما يكفي لسد رمق جوعها ليومين أو ثلاثة، فما أن تقوم المنظمة بتوزيع بضعة لقيمات على الفقراء والمحتاجين، حتى نجد الصور قد انتشرت كالنار في الهشيم في مواقع التواصل الاجتماعي، مع أحر التبريكات والشكر للداعمين الذين كفوا الشعب السوري شر الجوع ليومين أو ثلاث وتركوهم بعدها أشهر متتالية.

والبعض يشير إلى أن التصوير والتوثيق هو أمر أساسي في عمل المنظمات الإغاثية كي يضمن الداعم أن أمواله لم تذهب سدى، وإنما وصلت إلى أفواه المحتاجين، ولكن إذا كان هذا كل ما في الأمر وأن الداعم بحاجة إلى إثبات فلترسلها له بشكل شخصي، لماذا نرى الصور في فضاء الإنترنت وهي تخطف لقطات من وجوه أطفال بشدة البؤس من غير أدنى مراعاة أن هذا الطفل سوف يصبح رجلاً، ولن يسره إذا ما رأى صورته في كل مكان بهذا الشكل المذل والعار من الإنسانية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر أقدمت منظمة إغاثية إيطالية الدعم تدعى “نور الجنة” منذ أيام قليلة على نشر صور على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، وهي تقوم بتوزيع بعض الطعام على عائلات منكوبة في منطقة “تل الطوقان” في الشمال السوري؛ ضاربة بعرض الحائط أي معنى للإنسانية في الصور الملتقطة، والتي تظهر الأطفال في حالة يرثى لها بثيابهم الرثة وهم يتصورون مرغمين بجانب الطعام الذي تكرمت به المنظمة عليهم، والمهم في الصورة هو شعار المنظمة التي تدعي العطاء والبذل من خلال منشورها هذا.

وأخيراً الجدير بالطرح هو سؤال واحد: ما ذنب هذا الطفل أو تلك الأرملة من الشعب السوري كي يتم اختياره كـ “موديل” يعرض الأسى على صفحتك؟! في سبيل أن تظهر للداعم أنه وضع أمانته في الرجل المناسب، الذي يعمل على رفع اسم المنظمة “الخيرية” عالياً في سماء الإنسانية والبذل على حساب دموع اليتامى والأرامل، فهم عندما صدحوا بثورتهم الأولى لم يكونوا جياع، وإنما طلبوا كرامة لمّا يجدوها حتى يومنا هذا في ظل تسلط بعض المستغلين على رقاب الشعب السوري.

حسام الحمود – مدونات الجزيرة