صبحي حديدي

مضى زمن غير بعيد، لأنه أقلّ من عشر سنوات في الواقع، شهد إسناد وظيفة عجيبة للجنرال الأمريكي المتقاعد جوزيف رالستون: أنه «الموفد الأمريكي الخاصّ لمجابهة الـ PKK»! اليوم، بالطبع، لا تتعاون الولايات المتحدة، على نحو عسكري وثيق، مع هذا الفريق الذي كان الجنرال يجابهه، فحسب؛ بل تتولى تسليحه، تحت مسميات شتى، بينها «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي PYD، و»وحدات الحماية الشعبية» PYG، و»قوات سوريا الديمقراطية»؛ ويقوم جنرالات البنتاغون، زملاء رالستون اللاحقون، بأداء مهامّ تنسيقية ولوجستية وعملياتية مختلفة، في صالح مجموعات «حزب الـPKK.
وكان ذلك الموفد الخاص قد رفض، رفضاً قاطعاً كما يتوجب القول، التفاوض مع أية جهة تمتّ بصلة إلى «هذه المنظمة الإرهابية» على حدّ تعبيره. وخلال مؤتمر صحافي مشهود، خاصة عند أولئك الذين لا يردون للذاكرة أن تكون حسيرة قصيرة، أعلن الجنرال أنه نصح كبار المسؤولين الكرد (ويقصد في شمال العراق تحديداً) أن يروا في تركيا «أفضل صديق يمكن أن يكسبه العراق في الجوار، والمصالح الاقتصادية بين تركيا والعراق حاسمة تماماً للبلدين على حدّ سواء». كذلك أوضح أنّ واشنطن لن تقبل «بتحويل الأراضي العراقية إلى «ملجأ آمن لإرهابيي الـ PKK»، لأنّ وجود هؤلاء في شمال العراق «لا يمكن ان يكون في مصلحة العراق». وكان مدهشاً أن يستخدم رالستون، وهو العضو السابق في رئاسة أركان الجيش الأمريكي، عبارة «الملجأ الآمن» بمعنى سلبي وقدحي، متناسياً أنّ هذه هي التسمية التي أطلقها جورج بوش الأب على شمال العراق، بوصفه… ملجأ الكرد الآمن!
هذا تفصيل أوّل يحيل إلى سردية تاريخية تحكمت بمصائر الشعوب الكردية في المنطقة، العراق وسوريا وتركيا وإيران؛ ومفادها أنّ القيادات السياسية الكردية، أسوة بقيادات عسكرية وميليشياتية، عقدت مراراً تحالفات خاطئة مناقضة لطبيعة الحقوق الكردية، وخاصة حقّ تقرير المصير؛ وانتهت بالتالي إلى انقلاب الحليف على القضية الكردية، ضمن نسق مأساوي ظلت عواقبه دامية على الكرد، عدا عما سبّبته من انتكاسات عميقة الغور في تجاربهم المختلفة نحو إحراز حقوقهم. فكيف، اليوم وليس بالأمس البعيد أو القريب، تفسر القيادات التركية تعاونها مع البنتاغون، في مواقع مثل الرقة ودير الزور والرميلان؛ وفي الآن ذاته يتخذ البيت الأبيض موقفاً متشدداً رافضاً للاستفتاء الشعبي في كردستان العراق؟
العقل يقتضي، وكذلك حقّ التاريخ على الكرد بوصفهم أبرز ضحايا التاريخ الحديث، ألا يملّوا من استعادة «لائحة الخيانات»، كما يجوز القول في الواقع؛ التي مارستها القوى العظمى ضدهم، وما تزال تتمتع بشراهة عالية لممارستها مجدداً، كلما بدت الخيانة منفذاً من معضلة تخطيط ما، هنا أو هناك. في عام 1918 نصّت مبادئ الرئيس الأمريكي وودرو ولسون على حقّ تقرير المصير لكلّ الأقليات غير التركية في ظلّ الدولة العثمانية، فظلّ هذا الجزء من المبادئ حبراً على صحيفة. وفي عام 1920 اشترطت اتفاقية سيفر إقامة دولة كردية، لكن اتفاقية لوزان للعام ألغتها بعد ثلاث سنوات فقط، وتمّ توزيع المناطق التي يعيش فيها الكرد على تركيا وإيران والعراق وسوريا والاتحاد السوفييتي. بعد سنة فقط، اعترفت بريطانيا بحقّ الكرد في تأسيس دولة مستقلة، دون أن تتخذ أية خطوة عملية في هذا السبيل. وفي عام 1975، وبعد أن توصل العراق إلى تفاهم مع إيران بموجب اتفاقية الجزائر، تخلّت إيران والولايات المتحدة (بناء على نصيحة مباشرة من وزير الخارجية آنذاك، هنري كيسنجر) عن دعم الكرد. وفي عام 1988 سكتت الولايات المتحدة وبريطانيا عن قصف بلدة حلبجا الكردية بالغازات السامة، بذريعة أنّ المصالح الحيوية الأمريكية تقتضي الحفاظ على استقرار النظام العراقي.
السردية الأخرى تخصّ الأسباب الذاتية، أي سلطات إقليم كردستان ذاتها، حيث لا تتوقف مستويات القلق عند تصارع الحزبين الرئيسيين في الإقليم، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و»الاتحاد الوطني الكردستاني»، على أصعدة سياسية وعسكرية، فحسب؛ بل كذلك حول طبقة سياسية فاسدة أخذت تتقرّن بصفة مضطردة، فتكرست في باطن مؤسساتها ميول متعاظمة لممارسة الاستبداد والقمع ومصادرة الحريات العامة وقهر الرأي الآخر. وذات يوم، غير بعيد بدوره، بدت المفارقة مذهلة، ومؤلمة أيضاً، أنّ آلاف المواطنين الكرد في بلدة حلبجا، هذه التي حوكم صدّام حسين بتهمة قصفها بالأسلحة الكيماوية سنة 1988؛ تعرّضوا لتنكيل شديد من سلطات إربيل، لمجرّد خروجهم في تظاهرة سلمية احتجاجاً على الفساد وسوء الإدارة وانحطاط الخدمات العامة.
يُضاف إلى هذا، ويتوجب احتسابه كعنصر حاسم كلما اتخذ الكرد خطوة نوعية نحو تقرير مصير عصري، سليم المؤسسات ومتين الركائز؛ أنّ صياغة طراز ما من «التوحيد» بين مناطق الإقليم (التي كانت، قبلئذ، منقسمة في ولائها بين الحزبين الرئيسيين)، ظلّ شكلياً بصفة عامة، وظلت تتعثر جهود تطبيقه على الأرض وفي سياقات الحياة اليومية. هذه الحال تشمل المحاصصة في الوزارات، وفي المناصب العسكرية الأساسية ضمن قوّات الـ»بيشمركة»، ورئاسة المؤسسات الكبرى في الإدارة المحلية. والأمر تفاقم أكثر، وكان هذا المآل طبيعياً، بعد أن توسعت أشكال التعبير السياسي في الإقليم، ولم يعد الاستقطاب الحزبي يقتصر على رجال جلال الطالباني أو مسعود البارزاني؛ فظهر يسار ووسط ويمين، وتنظيمات ليبرالية علمانية، وأخرى إسلامية سلفية…
صحيح، من جانب آخر، أنّ الإقليم يتمتع لتوّه، ومنذ سنوات، بصيغة متقدمة من الاستقلال الذاتي؛ إذا وضع المرء جانباً ما تمتع به الكرد من امتيازات سياسية وحكومية على الصعيد المركزي (رئاسة الجمهورية، وزارة الخارجية، نيابة البرلمان، رئاسة أركان الجيش…). غير أنّ ذهاب البارزاني ــ من موقعه كرئيس للإقليم، قبل موقعه الحزبي والعائلي التاريخي، كما يصحّ الاستذكار ــ إلى النقطة القصوى في تأطير مطالب كرد العراق، عبر استفتاء الشعب حول الحقّ في تقرير المصير، وما يفتحه من آفاق استقلال أوسع للإقليم (مشروع تماماً، رغم عقابيله ومصاعبه ومخاطره)؛ كان، في بُعد جدلي آخر، يضع سلطته الشخصية ذاتها، وسلطات أجهزة الرئاسة، فضلاً عن المحاصصات الحزبية والعسكرية والإدارية، على محك القرار الشعبي.
في عبارة أخرى، قد يقرأ البارزاني نسبة الـ»نعم» الطاغية ((قرابة 92,73 من الـ 3,305 مليون شاركوا في التصويت) هي اقتراع بالثقة على رئاسته، أيضاً؛ الأمر الذي سيزوّده بتفويض شبه مطلق في التفاوض مع بغداد حول مستقبل العلاقة مع الإقليم. نقّاده، من جانبهم، قد يقرأون هذا أيضاً، من باب الواقعية السياسية الصرفة؛ ولكن لن يكون غير مشروع لهم أن يقرأوا فيه بُعداً تالياً يخصّ الاستئثار بمزيد من الصلاحيات، أو السكوت أكثر من ذي قبل على مظاهر الفساد. وفي هذا، بافتراض أنّ مضامينه التناقضية بلغت سوية التناحر والمواجهة بين القراءتين، فإنّ تاريخ النزاعات الدامية الكردية ـ الكردية في الإقليم ليست غائبة عن الذاكرة.
ولا يستكمل هذا المحذور إلا ملفّ ثانٍ بالغ الحساسية والتفجر، يخصّ التوافق على مدينة كركوك؛ ليس بين بغداد وإربيل فقط، هذه المرّة، بل على صعيد إقليمي يستدخل تركيا إلى الملفّ، وربما إلى الإقليم في مجموعه أيضاً؛ وليس في ما يقتصر على توزيع عائدات النفط، الهائلة كما هو معروف، فحسب؛ بل كذلك حول التركيب الإثني الكركوكي، وخاصة ثنائية الكرد ــ التركمان، فضلاً عن العرب العراقيين المسلمين والمسيحيين، وسواهم.
وهكذا، تقول الخلاصة المنطقية البسيطة أنّ حقّ كرد الإقليم في تقرير المصير لا يُنازع، من جهة؛ ولكنه بوّابة نزاع، بل نزاعات، من جهة ثانية. وفي هذا ثمة مسؤولية مضاعفة على جماهير الكرد، وعلى قياداتهم، في تسيير دفة المستقبل إلى برّ أمان عراقي ــ كردي، ثمّ كردي ــ كردي أيضاً!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي