عبد القادر ليلا – المدن

مرّ 115 يوماً على حصار مدينة الرقة، منذ انطلاق عملية “غضب الفرات” بقيادة “قوات سوريا الديموقراطية”، وما زالت الاشتباكات العنيفة والحرب الطاحنة مستمرة مع مقاتلي “الدولة الإسلامية”. وتتركز الاشتباكات في الجهة الشمالية الشرقية في محيط كلية الآداب، وسيطرت “قسد” على مساكن ساريكو والأبنية المجاورة.

الاشتباكات الأعنف كانت على أطراف جامع النووي، وسط المدينة، وفي محيط المشفى الوطني الذي صمد فيه مقاتلو التنظيم بأعجوبة لأكثر من شهر، والذي يعتبر هدفاً استراتيجياً ومعنوياً للطرفين. في حي الفردوس وشارع تل أبيض، تراجعت “قسد” بعد هجوم عنيف للتنظيم، بعربة مفخخة، برفقة مجموعة من الانغماسيين، وذلك بعد الكلمة المسجلة التي وجهها “خليفة المسلمين” أبو بكر البغدادي، يحضّ فيها مقاتليه على “الصبر والقتال لنيل الشهادة”. وقد تدخل طيران “التحالف الدولي”، وبكثافة، لصدّ الهجوم المعاكس، خشية انهيار خطوط الجبهات. وما زال مقاتلو التنظيم يمتلكون قدرة كبيرة ومهارة عالية على تنفيذ هجمات خاطفة مستغلين تردد الخصم.

ويقدر عدد مقاتلي تنظيم “الدولة”، الذين ما زالوا داخل مدينة الرقة، بـ200 مقاتل فقط، في أفضل الأحوال، يتوزعون على أطراف الملعب البلدي وحي التوسعية وحي البدو وشارع القطار ومحيط الحديقة البيضاء. بينما تُقدر أعداد “قسد” بـ6 آلاف مقاتل، تدعمهم قوات “التحالف الدولي” وقوات خاصة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا.

ورغم ذلك، فقد ازداد معدل القصف اليومي، وبمعدل 50 غارة جوية، و400 قذيفة مدفعية من مختلف العيارات، على المدينة، وبوحشية غير مسبوقة، بعد الهجوم الانغماسي الأخير الذي نفذه عناصر التنظيم شرقي المدينة قبل 4 أيام. هجوم التنظيم تمّ عبر محورين؛ من داخل المدينة عبر حي الصناعة وصولاً إلى حي المشلب، بالتسلل عبر الانفاق التي حفرها التنظيم في وقت سابق، والمحور الثاني من الريف الشرقي قام به انغماسيو التنظيم متنكرين بملابس “قسد”، ومروا من الحواجز بسهولة ويسر حتى وصلوا إلى قرية رقة السمرة شرقي الرقة، حيث الخطوط الخلفية لـ”قسد”، وشنوا هجومهم على المقرات ونقاط الدعم والتذخير، وخاضوا اشتباكاً استمر 3 أيام قتلوا فيه العشرات من “قوات مجلس منبج العسكري” و”قوات حماية الشعب” الكردية، كما أعلن التنظيم عن مقتل 3 جنود من القوات الخاصة الأميركية، وجرح فرنسيين اثنين من قوات “التحالف”، بحسب وكالة “أعماق”.

(المصدر: LM)

وما زالت جثث قتلى “قسد” في الاشتباك الأخير تصل إلى منبج وكوباني “عين العرب”، بحسب مصادر “المدن”، وبمعدل 5 جثث يومياً، ويشيعون كشهداء، على دفعات للتخفيف من هول الخسارة وامتصاص غضب الأهالي، ولعدم إثارة القلق والخوف على الجبهات.

الرد على هجوم التنظيم الانغماسي كان بقصف الطيران والمدفعية الثقيلة، وعلى مدار الساعة، وبكثافة نارية هائلة، وبرمايات عشوائية، غايتها القتل وتدمير ما تبقى من أبنية في المدينة. وخلال 3 أيام، ارتكبت قوات “التحالف” و”قسد” مجزرتين، راح ضحيتهما 60 قتيلاً على الأقل، وأكثر من 300 جريحاً. في ظل تردي الوضع الصحي وفقدان الأدوية والأطباء والمستلزمات الطبية في المشافي الميدانية داخل الأقبية، التي لا تتوفر فيها أدنى الشروط الصحية. أسباب أكثر من كافية لموت أكبر عدد من الجرحى.

المجزرة الأولى في حي التوسعية حدثت عندما استهدف الطيران مبنى من طابقين يتحصن المدنيون في طابقه الأرضي وفي القبو. الغارات تسببت بانهيار البناء على من فيه، ممن تجاوز عددهم 45 شخصاً منهم رجال وأطفال ونساء. وقالت مصادر “المدن”، إن صوت أنين الجرحى والمصابين العالقين تحت الركام ظلّ يُسمع ليومين متتالين. وعجز الأهالي في الجوار عن رفع الحجارة والركام والسقوف المنهارة، بأيديهم العارية، فلا منظومة دفاع مدني ولا آليات ولا معدات تُسعفهم، والطيران فوقهم يستهدف كل ما يتحرك. المجزرة الثانية وقعت في شارع القطار، بعدما تحلّق الأهالي حول بئر ماء للشرب، فانقض عليهم الطيران، وقتل 15 شخصاً منهم. من لم يقتله العطش في الرقة، تربص الطيران به.

وسمحت “قسد” لأهالي حي المشلب، بالدخول لزيارة بيوتهم وتفقدها، بعد المعلومات التي تحدثت عن عمليات نهب للبيوت والممتلكات قام بها عناصرها. تقول أم عبود، لـ”المدن”: “قبل وصولنا الحي قادمين من قرية الحمرا (شرقاً) هبّت علينا رياح غربية قادمة من المدينة، كانت محملة بروائح اللحم المحروق والجثث المتفسخة. رائحة فظيعة…رائحة الموت القاسي.. بدت المدينة من بعيد كقطعة من الجحيم.. تتصاعد منها أعمدة الدخان.. والخراب يلفها.. وكأنك تشاهد عرضاً سينمائياً”. أم عبود، التي ذهبت لتتفقد منزلها، تابعت بالقول: “بيوتنا التي أتينا لتفقدها لم يعد يهمنا أمرها بعد ما رأيناه من خراب وموت… فأغلب البيوت منهوبة.. ولم يتركوا فيها إلا ما لا قيمة له أو لا زبائن له.. ولكن مصيبتنا أمام ما حصل لا تستحق الذكر”. أم عبود قالت: “تركت كل شي وغادرت على عجل.. أريد أن أهرب من هذا الموت الذي يحيط بنا”.

ويُقدّرُ عدد المدنيين المتبقين في الرقة ما بين 8 و12 ألفاً، ولا توجد احصائية دقيقة. أغلب المتبقين يرغبون بالخروج، ولكن لا حيلة لهم، ولا طريق. منذ 4 شهور وهم يعيشون من دون كهرباء ولا ماء، إلا من الآبار الملوثة التي لا تصلح للاستهلاك البشري. المعلومات الشحيحة التي تصل من الرقة تقول إن الطعام المتبقي للأهالي هو فقط الخبز، وسط فقدان تام للأدوية وحليب الأطفال والمحروقات.
معركة الرقة طالت أكثر مما خطط لها “التحالف”، وربما الحسم فيها ليس بالقريب. فحسابات “قسد” لا تنطبق على مفاجأت التنظيم.