بكر صدقي

قبل بضع سنوات، قاطعت فصائل من الجيش السوري الحر برنامج البنتاغون الخاص بتدريبها وتسليحها، على الأراضي التركية، لقتال داعش، حين اشترط الأمريكيون على كل مقاتل أن يوقع على تعهد ينص على أنه سيقاتل داعش فقط، ولن يقاتل قوات النظام الكيماوي. أما اليوم فنحن نرى فصائل «درع الفرات» المؤتمرة بأوامر الجيش التركي تدخل محافظة إدلب لقتال «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) بغطاء جوي روسي!
هذا مشهد فضائحي حقاَ! فصائل تنسب نفسها إلى تلك المظلة التي أصبحت وهمية، أي «الجيش الحر»، ستقوم بعمل من المفترض أنه من مهمة قوات الأسد، وبحماية طيران الدولة المنتدبة من «المجتمع الدولي» على مصير سوريا، وتقصف طائراتها الحربية المدن والبلدات الآهلة بالسكان ومراكزها الحيوية كالمستشفيات والمدارس، مخلفةً المجزرة بعد المجزرة، في محافظة إدلب نفسها، حتى لا نتحدث عن جرائمها المماثلة في دير الزور وجوارها.
أما تركيا، فهي لم تزج بقواتها، بعد، في «عملية إدلب» وهدفها، كما أعلن، إقامة «منطقة خفض توتر» رابعة، بالتنسيق مع شريكتيها في مسار آستانة، روسيا وإيران. وذلك بعد المنطقة الجنوبية قرب الحدود مع الأردن، وغوطة دمشق، وريف حمص على التوالي. بدلاً من ذلك دخل وفد عسكري تركي من ثلاثة ضباط، قيل إنهم تفاهموا مع هيئة تحرير الشام على انسحاب الأخيرة بلا قتال، بشرط تسليم إدلب لقوات تركية، وليس لقوات «درع الفرات» التي بقيت عالقة مؤقتاً في المنطقة العازلة في معبر باب الهوى الحدودي بانتظار التطورات. وحسب تصريحات الرئيس التركي أردوغان، تقوم الخطة الثلاثية على نشر 500 عنصر من الجيش التركي داخل مدينة إدلب، مقابل الروس الذين من المفترض أن يتمركزوا في محيطها. أما الإيرانيون فسوف يتموضعون في مناطق سيطرة النظام شرق المحافظة الملاصق لريف حلب الغربي. وبذلك تكتمل ترتيبات «خفض التصعيد» بعد «تطهير» المحافظة من قوات النصرة وفصائل جهادية قريبة منها.
غير أن التحركات الاستخبارية ـ العسكرية التركية، بما في ذلك تحليق طائرات الاستطلاع بدون طيار (الدرون) فوق منطقة عفرين المجاورة ومحيطها القريب، تشير بشفافية إلى وجهة الشهية العسكرية التركية المفتوحة ضد جيب عفرين الكردي الذي تسيطر عليه «قوات حماية الشعب». والحال أن احتمال تورط عسكري تركي في عفرين، ما زال ضعيفاً جداً بالنظر إلى أن هذه المنطقة الجبلية الوعرة لا يمكنها أن تكون لقمة سائغة، ويعرف الأتراك أن الورطة هناك يمكن أن تكلفهم الكثير، وبلا أي نتائج مضمونة. يضاف إلى ذلك أنها محمية من الروس المتمركزين في كفر جنة، ولن يقبل الأمريكيون أيضاً بأي تدخل تركي فيها. لمجموع هذه الاعتبارات، من المحتمل أن تسلم المناطق المحاذية لعفرين، من جهة إدلب، إلى فصائل درع الفرات التي تحركها أنقرة. وهذه الفصائل الداخلة في مسار آستانة الثلاثي، أضعف من أن تواجه القوات الكردية ذات التنظيم والتسليح الجيدين.
من المحتمل، والحال كذلك، أن تتجه أنقرة إلى الالتفاف من حول منطقة عفرين شرقاً وجنوباً، نحو تل رفعت والقرى المجاورة، بما يؤدي إلى تسليم تلك المناطق إلى قوات النظام الكيماوي والميليشيات الإيرانية «الرديفة» (حسب التسمية الأسدية المستمدة من القاموس البعثي العتيق).
ماذا يعني كل ذلك سياسياً؟
يعني، قبل أي شيء آخر، أن التقارب التركي ـ الأسدي الذي كان، منذ صيف العام 2016، مداوراً عبر الوسيط الروسي، اقترب من التحول إلى تقارب مباشر قائم على وحدة الأهداف. في هذا الإطار، لم يكن تسريب خبر إجراء اتصال هاتفي بين أردوغان والأسد، بضغط من بوتين، قبل حين، وبصرف النظر عن صحته، إلا نوعاً من القصف السياسي التمهيدي، قبل إعلان رئيس الوزراء بن علي يلدرم عن المشاورات المستمرة بين «دول جوار العراق»، أي إيران وتركيا وحكومة بغداد و»الجانب السوري» (أي النظام الكيماوي)، لتنسيق العمل ضد إقليم كردستان الذي أجرى استفتاءً على استقلاله عن الدولة العراقية.
يمكن القول، إذن، إن أنقرة قد أكملت إعادة تموضعها، لتنتهي مغامرتها في سوريا التي بدأت، في العام 2011 بهدف إسقاط النظام الكيماوي، لتنتهي بالقبول بالتعايش معه في المرحلة القادمة، وصولاً إلى احتمال التنسيق معه، تحت المظلة الروسية، في مواجهة «الخطر الكردي» المتصل بين العراق وسوريا. تأتي إعادة التموضع التركية هذه، في ظل توتر علاقات أنقرة مع كل من الأمريكيين والأوروبيين، وقد بلغت ذروة تجلياتها بقرار إدارة ترامب تعليق عمليات منح تأشيرات الدخول في السفارة الأمريكية في أنقرة، وشكلت سابقةً في العلاقات بين البلدين.
الواقع أن ما أسميناه بإعادة التموضع هو أقرب إلى فقدان البوصلة، أكثر من كونه انتقالاً حاداً من الضفة الأمريكية إلى الروسية. ذلك أن روسيا لا يمكن أن تتحول إلى حليف موثوق لأنقرة. وكل ما في الأمر أن بوتين استطاع، من خلال لي ذراع تركيا في أزمة إسقاط الطائرة الروسية، فنجح في توسيع الشرخ داخل الحلف الأطلسي بين تركيا وحلفائها الغربيين.
فقدان بوصلة ناجم أساساً عن سوء تدبير في شؤون الداخل التركي كما في شأن الدور التركي النشط في الحرب السورية. أدى، تدريجياً، إلى عودة النزعة القومية التركية المتشددة إلى صدارة المشهد بوصفها العقيدة الرسمية للدولة التركية العميقة.
كان لافتاً، في هذا الإطار، انفلات الحماسة القومية الشعبوية في تصريحات أردوغان وأركان حكومته، بصورة مفاجئة، ضد الحليف السابق مسعود بارزاني، بعد سنوات من العلاقات الدافئة بأبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية. فإلى ما قبل يوم الاستفتاء، في 25 أيلول، ظلت التصريحات التركية في حدود منضبطة. ثم انقلبت فجأة إلى التهديد والوعيد، بصورة لا تتناسب حتى مع النوايا التركية التي يمكن أن تكون مبيتة ضد الإقليم. فقد تجاوزت تلك التصريحات في حدتها حتى نظيرتها الإيرانية.
وما أن وصل الرئيس الروسي إلى أنقرة والتقى بأردوغان، حتى انتقلت الاهتمامات التركية الساخنة من أربيل إلى إدلب السورية. والحال أن هذا الانتقال يعبر أيضاً عن حقيقة حدود الدور الاقليمي المسموح لتركيا، والذي لا يمكنه تجاوز السقف الذي تضعه لها روسيا: المشاركة في تحقيق منطقة «خفض التصعيد» الرابعة في إدلب، مع استمرار بقاء السيطرة التركية على جيب جرابلس ـ الباب شمال حلب.

٭ كاتب سوري

القدس العربي