عروة المهاوش – الرقة بوست

حالها كحال الدول العربية، تقفز هذه الحشرة وتثب بين النصف متر والمتر الواحد في تنقلها المستمر. نظرية البرغوثة التي قام بتجربتها عالم أميركي على مجموعة من البراغيث، حيث قام بوضع مجموعة منها في عبوة زجاجية، وبحكم غريزتها في الوثب، والخروج من هذا المكان الضيق اصطدم البعض منها بالغطاء ولقي حتفه، حين لاحظت بقية البراغيث هذه النهاية لزميلاتها أصبحت تثب بمسافة أقل من المعهود حتى لا تصطدم بالغطاء، وتلاقي نفس مصير بنات جنسها. بعد ثلاثة أيام من الحركة، والوثب أخرج هذا العالم البقية التي بقيت على قيد الحياة، وتركها في مكان فسيح جداً بالنسبة للزجاجة، لكن المفاجأة الكبيرة كانت حين لاحظ العالم أن هذه البراغيث لم تعد تثب كما كانت سابقاً في كل وثبة قبل وضعها في الزجاجة، بل وحتى حين نالت حريتها لم تتعدَ وثبتها 30 سم، وهي نفس المسافة التي كانت تقفزها في الزجاجة دون الاصطدام بالغطاء وفي النهاية الموت المحتم.
تطبيق النظرية
في عمل منظمات المجتمع المدني، والتي شاهدت النور بعد الثورة السورية اعتمد وبشكل كامل على هذه النظرية في تدريب “البراغيث” الجدد كمتطوعين للعمل فيها للحد من حرياتهم، وإخضاعهم لأسقف معينة لا يسمح لهم بتعدي الحد الذي تضعه حكومات غربية داعمة تحت مسمى “نظام داخلي” لتلك المنظمات المستحدثة.
السيطرة على العقول وبالتالي الحد من الحركة ضمن هذا الإطار المحدد بات فناً للمخاتلة، وأسلوباً حديثاً للسيطرة نهائياً على الحركة التي كانت دائمة، ومستدامة لتلك البراغيث النابضة بالحياة.
1 – الإلهاء
تتخذ منظمات المجتمع المدني هذه السياسة من خلال ندوات، ومحاضرات معدة مسبقاً حيث يتخذ فيها المحاضر دور المعلم مهما كان صغر سنه، ومهما كانت خبرات المتلقين، ندوات حول الدعم النفسي لأطفال الحرب، التعايش المشترك والسلمي، إنهاء الحرب والمفاوضات، عناوين كثيرة لا حصر لها في حين ينتظر المتدرب فرصة شرب الشاي، والتدخين والأهم من ذلك وجبة الغذاء الدسمة، في الحقيقة كل كلام المحاضر ليس مهماً بالنسبة لأغلبهم.
2 – التدرج
تمرير الصعب عبر جرعات خفيفة طويلة الأمد نوعاً ما عبر وسائل اللعب على الألفاظ، وتعويد المتدربين المتلقين “البراغيث” عليها كي تكون وسيلتهم مستقبلاً للحديث في الندوات، أو في جلساتهم بين الأصدقاء، هذا التدرج سياسة فعالة تتخذها أغلب المنظمات لتخفيف الصدمة.
3 – المختصون
تعتمد أغلب المنظمات على أصحاب الخبرة في الإقناع، والحوار من خلال تدريبهم على برامج معينة أعدت مسبقاً لهم، وإخضاعهم لتجارب عملية من خلال طرح أسئلة كثيرة قد يطرحها الجمهور عليهم، مع دورات مكثفة أيضاً في الحفاظ على التوازن والابتسامة وقبول الآخر ونقده، في حين يستفيد المحاضر مسبقاً من المشاكل التي على الأرض ولديه كل الحلول التي أعدت مسبقاً لها ضمن برامج هذه المنظمة.
4 التأجيل
التلاعب بالوقت، وإقناع المتلقي بحل هذه المشاكل، والقرارات المستقبلية في حينها “غداً سيكون أفضل” معتمدين على زيادة عدد المتلقين في المرات القادمة، ومخاطبة المتلقي بعقلية الطفل من خلال المشاعر والعواطف وتدخل العقل بوقته.
5 – الصدمة
استخدم الطبيب النفسي الكندي “ايوين كاميرون” صدمات كهربائية على أدمغة المرضى النفسيين لبرمجة عقولهم، ومحو كل ما فيها حيث يعود العقل الادراكي للمريض “صفحة بيضاء” لكن الأمر يختلف في عمل المنظمات بطريقة استخدام هذه الصدمة النفسية، فهي تجري على أصحاء وطريقة صدمهم بواقع مؤلم، ومخاطبة مشاعرهم عن طريق استغلال كارثة إنسانية، ووضعها في دائرة الحوار والبحث عن الحلول، في حين يقدم المتدرب بعض الحلول نتيجة للمناقشات التي يطلبها المحاضر من الحضور، ويبدأ في تفصيلها والطلب من كل صاحب فكرة شرحها وإغناءها للجمهور، تكون كل تلك الأفكار قد جمعت، وقدمت للمنظمة لدراستها مستقبلاً والاستفادة منها في عملية السيطرة القادمة على “البراغيث” الجدد الذين سوف يتم استهدافهم في الندوات القادمة مع بعض الحلول المدروسة بدقة متناهية.
6 – النتيجة
تأطير الإنسان ضمن دائرة واسعة تضيق شيئاً فشيئاً حتى لا تترك له مجالاً لمحاكاة عقله خارج حدود النظام الداخلي لتلك المنظمة كي يكون “برغوثاً” فاعلاً في المجتمع من وجهة نظرهم، الهدف الأساسي في القضاء على مبادئ الثورة السورية وحراكها القوي، وإضعافه قدر المستطاع، ونقله من ثورة شعبية عارمة إلى ثورة محاضرات وأعلام ورايات ومحاضرات وبالتالي المرحلة الأخيرة، القبول بمفاوضات مع القاتل بحجة إنهاء الحرب والتقليل من مصائب الناس ونسيان دم الشهداء والتفاوض عليه.
تنويه: لا يشمل الأمر كل المنظمات حيث يعتمد الأمر على الجهة الداعمة.