أحمد ظاهر 

بين مُدن الأساطير ومُدن السواطير وأنت تجوب بلاد الإغريق (اليونان) لن تجد بطلاً يشبه آخيل قتيل طروادة، ولن تجدَ معاقباً بالضياع يشبه أوذيس، أو مقتولاً بعظمة هكتور أو عاشقاً كباريس، أو فيلسوفاً حالماً بجمهورية مثالية كأفلاطون، المقتول والضائع والعاشق لمدائن الحريق والحالم بجمهورية العدل هو أنت فقط، وأما البطل في أرض الحضارة الهيلينية فهو المكان، نعم إنه المكان الذي يختزن في كل طبقة ترابية قصة أسطورة أو معركة موغلة في البطولة أو نشأة علم أو مصطلح تم صياغته على هذه الأرض، وكل هذا الزخم المعرفي والحضاري والعمراني الذي يتراءى لعيني لا يفعل شيئاً، سوى نقلي إلى ركام وحرائق مدينة تركتها خلفي، يهجم المكان على الذاكرة ناشباً مخالب الحسرة في لحم الروح .. المكان الذي يختزل التاريخ وأساطير الفرات وذكريات البسطاء ، أعلم أن باب بغداد ليس بعظمة بوابة (بروبيلين) الإغريقية، وأن الجامع العتيق ليس بمتانة معبد ( البارثنون) ، أو معبد (زيوس) ، وأن حي رميلة والخربة ليس بأبّهة حي( بلاك) التاريخي وسط أثينا، وأن تلال الشامية لاتشبه تل (الكافتيوس) ، لكنه ألم الشوق لتلك الأماكن الذي أطلق عليه الإغريق (نوستالجيا) نعم هو الحنين إلى الماضي، كما عزّفه المصطلح ، هم يشيرون إلي الألم الذي يعانيه المسكون بالماضي، إثر حنينه للعودة لبيته وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد، إنها حالة مرضية، أو شكل من أشكال الاكتئاب الروحي في موكب جنائزي لعزيز لم نتصور فقده في يوم من الأيام، إنه شهيق المكان وزفيره، وهبوب (النوستالجيا) في جهات الروح الأربعة وهو يجوب الأمكنة في حالةٍ تشبه ( الدوخة) المثقلة برهبة ونشوة تصل حد الاستسلام ، تتخطفك دوامة المكان فترخي جسدك كما يفعل سباحو الفرات في عدم مقاومة الدوامة (السوّارة) على أمل النجاة. فحين يكون المُبعد قسراً في مستوى لحظة اللقاء بمكانه، يغمره هذا الشلال من النور في تجليات رومانتيكية ، لتضيق به كل أمكنة الدنيا رغم عظمتها وشساعتها ، ولتتجمد عيون القلب في جغرافيا الفرات فقط، تلك الجغرافيا التي تستحضرها الذاكرة المتعبة، مغلّفة بالألفة وقد ضاقت بها العبارة وحَرَن بها المعنى في إهاب لغوي ضيق، لا يسعفه في الانعتاق أي نسق لفظي، غير أن القلب المثقل والمنذهل و المترع بالحنين والغارقُ في سيمياء الأمكنة وأهلها، يشعرك بما لايشعر به ابن السبيل العابر لأمكنة غريبة فهو لايشعر بروح الحجارة ونبضها وأنين الضفاف والتراب وهمس الرمال لا يرى سوى عظمة الحجر وإبداع المعمار . أفتح في شرفات ما أكتب من شعر ونثر وماأنتج من لوحاتٍ علاقات روحية ، تشبه علاقة الحلم بالحالم، تعبق من رحلتي الاغترابية زفرات الجغرافيات (نهر الفرات، الحوائج، السور الأثري، باب بغداد، الجامع الحميدي، سوق القوتلي، المضافات، أطلال الرصافة…. )، بكل مفرداتها الروحية وسيمياها المقدسة، والمدنّسه بحملة السواطير والسيوف واحلام الدول الدينية العابرة للتاريخ. تتغلغل روح المكان في بواطن الغرباء وتتسلقها عارية، تجتاحني حين اجتاحها دون استئذان ، تنساق وراء نزق الروح، يباغتني المكان حين أباغته مرتدياً روحه ،أرتاده ويرتادني، اتحسسه بمستشعرات الوجدان يغمرني ذاك الوجد والحنين المقيم في أروقة الجوارح والذكريات الموغلة في أيام لن تعود . أمام طوفان المعنى الذي ضاقت به العبارة ينهمر اللون على قماش اللوحة، والحرف الشعري على جدران الروح هاطلاً في لحظة مناسبة لا يمكن الإمساك بها إلا حين يسحر المكان بيان الحرف ورقصة الألوان ، قبل أن يخطف اللحظة المباغتة أشباح الظلام التي توغل في التخريب والحرق ومسخ واغتصاب عذرية المكان بلونين لم يألفهما في جماليته اللونية ، الأصفر القبيح ، والأسود المنمط. المكان يحمل شخوصه وزمانه ، قبل أن تزدحم بك الأسئلة الحارّة وتنثال عليك الأجوبة الباردة ، هنا يصبح المكان حافزاً للأشواق التي تقاوم السقوط في حفرة التزمت للفكرة وعبثية العزلة وقسوتها على قلب الغريب وعقله، حين يضيق المكان، رغم مداه الواسع. محاولة التناغم مع خراب المكان ، ومحاولة القفز من الثبات في عالم اللون والحرف، أزمة وحافز لروح تائهة ، تصعد على درجات النكوص والتلاشي إلى أبعد درجات الهباء. بين ذهول البصر هنا في أرض الأساطير وغيرها من المنافي وبين خرائبِ الرقة وحرائقها وأشلاء مآذنها التي قطّعتها السواطير المتعددة الألوان يظل المكان حاملاً جديداً للفعل الإبداعي لأبناء الرقة في محاولة النهوض من الرماد. 

 

محامي وشاعر وفنان تشكيلي