اندلعت مناوشات بين متظاهرين في مدينة منبج وقراها، ذات الغالبية العربية في ريف حلب الشرقي، وبين قوات “الأسايش” الأمنية والشرطة العسكرية التابعة لـ”قوات سوريا الديموقراطية”، بعد حملة كبيرة نفذتها “قسد” للتجنيد الإجباري طالت مئات الشباب في المدينة وقراها، ضمن ما أطلقت عليه اسم “قانون الواجب الذاتي”.

وكانت الشرطة العسكرية و”الأسايش”، قد شنّت الإثنين، حملة واسعة، في أحياء طريق جرابلس والحزاونة وطريق الجزيرة ودوارة الكرة الأرضية، وعلى مداخل مدينة منبج، ونشرت عشرات الحواجز المعززة، واعتقلت أكثر من 300 شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و31 عاماً وساقتهم لمعسكر سد تشرين، بغرض فرزهم على المعسكرات التدريبية في ريف عين العرب “كوباني” وتل كوجر من ريف القامشلي.

كما شنّت “قسد” حملة مماثلة على قرى الفارات والكرسان وأم عدسة والحية وحمام صغير وناحية أبو قلقل، الإثنين، واعتقلت نحو 300 شاب، من تلك القرى ومن مفارق الطرق الرئيسية، ما تسبب بسخط كبير لدى الأهالي.

حملة “قسد” العسكرية للتجنيد الاجباري في ريف حلب الشرقي، جاءت على الرغم من الرفض التام لها من قبل أهالي منبج، الذين كانوا قد نفّذوا إضراباً، الأحد، كحراك مدني سلمي لرفض قرارات “قسد” وأخرها التجنيد الاجباري.

ورغم التحذيرات من نشطاء ووجهاء المدينة وعشائرها، فقد اتخذت “قسد” إجراءات قمعية لكسر الإضراب، فحطمت أقفال المحال التجارية وضعت إشارات (X) على محال المضربين، قبل أن تبدأ حملة الاعتقالات للشباب، بطريقة هستيرية، على الحواجز ومن المنازل والأحياء، من دون مراعاة لمشاعر الأهالي الذي سئموا سنوات الصراع وزجّ ابنائهم في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وحصلت صدامات عنيفة مع الأهالي في حي الحزاونة، بعد محاولة “قسد” اقتحام الحي.

الشباب الذين تم زجهم في معسكر سد تشرين، تمكنوا من الفرار، بعد مجيء باصات تابعة لـ”قسد” لنقلهم إلى معسكرات أخرى، إذ هاجموا قوات “قسد” بالحجارة، ولم يتمكن عناصر الحراسة من مواجهتهم. وحلقت فوق الشباب الهاربين من المعسكر طائرات أميركية، لمدة نصف ساعة. أحد الفارين، أكد لـ”المدن”، أن عناصر “قسد” اخبروا “التحالف الدولي” بأن بعض الذين فروا عناصر من “داعش”، لتحلق الطائرات فوقهم لحماية نقطة عسكرية أميركية في سد تشرين.

ونفذ عشرات الشباب، ليل الإثنين/الثلاثاء، عمليات قطع للطرق بالإطارات المشتعلة، ووضع كتل من الحجارة على طريق منبج-عين العرب، وإغلاق طرق أخرى في محيط منبج.

وبحسب أهالي المدينة، الذين تواصلت معهم “المدن”، فإن الرفض التام لحملات التجنيد الاجباري، وعدم القبول بوجود “قسد” عموماً، هو أثر متبقٍ من الثورة السورية، التي لا ترضى بتبادل الأدوار بين المحتلين لمدينتهم وريفها. العديد من نشطاء منبج رفضوا رواية “قسد” بأن تلك الاضطرابات جاءت بعد “حملات تحريض من جهات خارجية”، إذ تحاول “قسد” وضع المتظاهرين والمدنيين الرافضين لوجودها في منبج تحت قائمة العمالة لتركيا.

صدى الاضطرابات في منبج وريفها وصل محافظة الرقة، فاطلقت “قسد” سراح الشباب الذين اعتقلتهم في مدينتي الطبقة والمنصورة، في وقت متأخر من ليل الإثنين/الثلاثاء، بحسب مصادر “المدن” المحلية.

وحاولت “قسد” التخفيف من حالة الاحتقان الشعبية ضدها، عبر منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي، أعلنت فيها “تعليق واجب الدفاع الذاتي مؤقتاً”، إلا أن الاعتقالات ما زالت مستمرة على الحواجز.

وما بدأ كرفض أهالي منبج لـ”التجنيد الاجباري”، سرعان ما تحول إلى مواقف سياسية لمؤسسات المعارضة، تؤيد فيها الحراك السلمي، وترفض وجود “قسد” وقرارتها.

وأصدرت وزارة الدفاع في “الحكومة السورية المؤقتة”، بياناً يدين الحملات العسكرية لقوات حزب “الاتحاد الديموقراطي” ذي “الطموحات الانفصالية”، ورفض البيان “التجنيد الاجباري.. وهي قوانين تتعارض مع القانون الدولي وحقوق الانسان”، وأضاف أن “القرارت التي تسنها ما تسمى بالادارة الذاتية التابعة لحزب (ب ي د) قوانين باطلة لا تستند لأي سلطة أو تشريع”.

“المجلس الإسلامي السوري” أصدر بدوره بياناً يدين تصرفات “قسد” معتبراً إياها الوجه الأخر لنظام الأسد، إذ “تساهم حملات التجنيد الاجباري في عملية التغيير الديموغرافي التي تعمل قسد عليها منذ نشأتها”، وطالب البيان “المواطنيين بضرورة الثورة من جديد ضد قوات قسد” التي وصفها بـ”الغزاة الجدد”. كما دعا البيان الفعاليات الثورية المدنية والسياسية والعسكرية والحقوقية “للوقوف ضد قوات قسد وفضحهم ومواجهتهم”.

“الهيئة السياسية في مدينة منبج وريفها”، والتي تمثل معظم السياسيين والمثقفين في المدينة، أصدرت بدورها بياناً تضامنياً مع الأهالي، أدان بشدة قانون التجنيد الاجباري “الذي يهدف لجر أبناء المدينة لخدمة اجندات حزب الاتحاد الديموقراطي ومشاريعه”، كما حذّر البيان “قوات قسد من مغبة مواجهة الأهالي والاستمرار في تنفيذ قانون التجنيد ما سيعود بنتائج كارثية لن تكون بين الأهالي وقسد فقط بل ستؤدي لنزاع عرقي وفوضى كبيرة في المنظومة القيمية للسلم الأهلي”. وناشدت “الهيئة” العقلاء من كل مكوّنات المدينة “كي لا يدّخروا جهداً في استثمار كل جهودهم للحيلولة دون إراقة الدماء والعبث بأمن المواطنين وحياتهم.

المدن