هيئة التحرير 

يحار المرء في المفارق والمنعطفات أنّى يتّجه، ويضرب أخماسه بأسداسه عندما تحين لحظة الحسم في اتّخاذ المواقف، فما بالك وحال الرقّة تشي بما هو أبعد من ذلك، فهي بين شدّ وجذب، ليس بين الأعداء وحسب، بل بين الأهل والأبناء.
ما قرّ لها رأي إلا وكان إرغاماً لا خيار لها فيه؛ وما ذلك غير نتيجة تشتّت وفوات، من أصاغر الأمور إلى عظائمها، ولكيلا نجانب الصواب نقول غالباً.
حياة الرقّة كغيرها من المدن في تناقضاتها واختلافاتها، ولكن السؤال الأهمّ: إلامَ لا يكون لها كغيرها محور ارتكاز يلمّ شتات الجهود، ويجمع متفرّق الأفكار، ويشذّب المبادرات، ويثمّرها؟
ربّما تمرّ الآن بأحلَك السنوات، وعلى الرغم من ذلك تتنازعها عقليّتا العصَب والنصْب.
وأمّا العَصَب فمعانيه لا تقلّ عن مجانسه في اللفظ، فهو ما يَشُدُّ المفاصِلَ ويربُطُ بعضَها ببعض، فنقول: عَصَبَهُمُ الأَمْرُ : ضمَّهُم واشْتَدَّ عليهم، وعَصَبَ بِهِ القَوْمُ : اِجْتَمَعُوا حَوْلَهُ، وأمّا اللفظ الطاغي من هذا الجذر فهو العِصابة، أي الجماعة التي تعمل لمصلحة أفرادها وما يحيط بها من مناصريها وأتباعها وأشياعها دون النظر إلى العامّ أو المجموع. وتأخذ أحياناً أشكالاً مُحدَثة في النطق كهيئة أو مجلس أو تجمّع أو تيّار أو حزب..
وأمّا النَّصْب فله من المعاني ما يُتعبّ عدّه، فهو العلَم المنصوب، وعلامةٌ تُنصَب عند الحدّ أو الغاية، والحيلةُ والخِداع، لكنّ المتداولَ الرائج من هذا الجذر النصَّابُ، أي الغشّاش المحتال المراوغ الكذوب.
فكم من نصّاب ينطق باسم العصابة ليجيّر نتاج خداعه لجماعة لا يهمّها من أمر العامّة غير مزيد من التمكسب أو التمظهر. فتجد فلاناً يدّعي، وفعله وتاريخه يصنّفه مع النصابين ولكنهم جُدُد، وكذلك الأمر في العصابة التي لا ترى غيرها صالحة للبذر والسقاية، فتُقصي وتستبدّ، وتقرّب وتبعِد بمقاييس ارتضتها لا تنطبق على غيرها.
ثمّة علاقة جدليّة بين العصابة والنصّابين، استمرارهما لا يعني بالضرورة التسليم بأبديّتهما، فالرقّة وَلودٌ طَرود، مصيرها أن تقلع شوكها بيديها، وطريقها جهد أبنائها، وغربال الواقع ومعاناته كفيل بولادة عقليّة المحبّة والمشاركة والتفاني لأجل مستقبل أفضل وأجمل.