غسان المفلح 

لماذا العالم سورية؟ ببساطة لأن كل هذا العالم، مُمَثّلاً بدوله واستخبارات هذه الدول ومراكز بحوثها، تدخّلت في سورية، وكثيرة هي الدول التي أرسلت أسلحتها إلى سورية. تماماً كالدول التي أرسلت مجاهديها للموت في سورية، تونس مثالاً، أقلّ التقديرات كانت تشير إلى 4500 جهاديّ داعشيّ تونسيّ في سورية.

العالم سورية لأنه لم تبقَ دولة ذات وزن نسبيّ في هذا العالم بالذات، إلا وتدخّلت في سورية. العالم سورية لأن هذه الدول تقتل أطفال سورية. تقتلهم بالأصالة عن نفسها، روسيا وإيران، ونيابة عن الأسد، رغم أن الأسد يبقى القاتل العامّ في سورية بلا منازع. أو شرْعَنَت للأسد قتل أطفال سورية وحلمهم: أمريكا ودول أوروبا. لا بل هي التي صنعت الأسد، صنعته كقاتل عامّ في سورية ولبنان وفلسطين، قبل 50 عاماً. صنعته كما صنعت التطرّف الإسلامي وسلّحته. القصة ليست مؤامرة، القصة  مصالح اقتضت هذا الشكل من التآمر، اقتضت كل هذه البنية التآمرية في سورية. كل أجهزة الاستخبارات القوي منها والضعيف، مارس نشاطاته في سورية. الأسد صاحب المَقتلة العامة في سورية، غطّاه أوباما الإيراني صاحب المَقتلة العالمية، في ليبيا واليمن والعراق. القول إن أوباما كان إيرانياً، كان خياره واضحاً بحجّة النووي، كأنه اتّبع نصيحة المستشرق دانيال بابيس: دعوا السنّة والشيعة يقتلون بعضهم. بالمناسبة ما يحدث الآن هو ما كان حلماً لبابيس. أذكر أنني في مؤتمر عُقد عام 2007 تجادلت معه، حول فهمه العنصري للمنطقة.  ربما هذا النقاش وما يحصل الآن يحتاج لمقال خاصّ، سأحاول كتابته لاحقاً. منذ انطلاق الثورة قبل سبع سنوات تقريباً، كان الخيار الأوباميّ واضحاً. وكتبت منذ ذلك التاريخ عشرات المقالات عن هذا الخيار في تزمين الثورة، وتحويل سورية إلى بؤرة عنف، الأسد قاتلها العامّ وأوباما غطاؤه العالمي، لهذا سمح أوباما لكل مرتزقة إيران بدءاً بحزب الله وليس انتهاء بحركة النجباء العراقية، بقتل أطفالنا، ولم يكتفِ بذلك لعجزهم، ممّا اقتضى أن يسمح الأوباما لبوتين بالتدخّل: الذي اعترف أنه لولا تدخّله لسقط الأسد. كما سمح لقاسم سليماني قبله وعبر حرسه الثوري بقتل أطفالنا.

بمناسبة انعقاد مؤتمر الرياض2 90% من المعارضين الذين سيتواجدون في الرياض: لم يدركوا الخيار الأوباميّ. دون التشكيك بوطنية أحد. ووفقاً للمتاح دولياً، كان ممكن لأدائهم أن يحسّن الأمر أكثر، لكن ليس إلى حدّ منع الخيار الأوباميّ. كي لا نبقى ندور في حلقة شتم المعارضة مجاناً. هذا العالم الأوباميّ يحتاج لمعارضة أوباميّة على شاكلته. فهذه هي النتائج. المعارضة الآن هي جزء من هذا العالم الأوباميّ. لا أريد الحديث عن الدور الإسرائيلي، لأنه ملحق أمريكي أو العكس لا فرق. هنا لا أثير مناحة بقدر ما أقدّم وقائع أزعم أنها حقيقية. وبالمناسبة أيضاً: إجهاض الحلم الكرديّ في كردستان العراق، لم يكن بعيداً عن تعهّدات أوباما لإيران في اتّفاقه المشؤوم. رغم أنه يتيح لأمريكا الدخول إلى غرفة نوم خامنئي، إلا أنه لا نيّة لأمريكا الآن استخدام هذه المواد من الاتّفاق. الاستفتاء لم يكن هو المشكلة. ما حدث عملت عليه إيران وأوباما حثيثاً. كي لا يحمل الأشقّاء الكُرد المسؤولية لكاك مسعود. أعود للحديث عن هذا العالم. بعد سقوط السوفييت، تزعّمت أمريكا المنتصرة هذا العالم. لم يعدْ لها منافس في قيادته. باتت هي المرجعية الوحيدة. لكن هذا الأمر فقط على المستوى الإستراتيجيّ. أمّا تفاصيل موت هذا الشعب أو ذاك، فهي أضرار جانبية ذات طابع تكتيكي. لأن أمريكا لن تسلّم بسيطرة أي دولة على أية بقعة من هذا العالم. أمريكا هي هذا العالم بالذات. نلاحظ انفراطاً شكلياً في عقد المرجعيات لدى السلطات الفاسدة. حيث تركت أمريكا لهذه السلطات عنواناً دولياً اسمه بوتين والحزب الشيوعي الصيني والكوري، تركت الأسد وأتت بالسيسي، وأطلقت يد الفاشية الإيرانية، وأتت برؤساء ما فوق سنّ الثمانين في تونس والجزائر. للتذكير أيضاً، أوباما أكثر رئيس باع سلاحاً منذ نيكسون. ملفّ الكيماوي لوحده يثبت مدى تورّط أوباما في الجريمة السوريّة. الآن كل السلطات الفاسدة في العالم، بمنأى عن المحاسبة. لأن أدوات أمريكا هي أكثر من تقوم بالجريمة. بوتين وإيران نموذجاً. مثال آخر التوجّه الفرنسي الجديد مع ماكرون، هو توجّه أوبامي أصيل. لهذا تدخّل في قضية استقالة الحريري كي يعيده إلى الحسينيّة الإيرانية. ألمانيا تساند تركيبة حزب الله اللبنانية. كلهم يلعبون في الملعب الأوبامي. ترامب لايزال في مرحلة التخبط التكتيكي. تارة يشنّ هجوماً على زعيم كوريا الشمالية وتارة على إيران، ومشغولاً بتبرئة البشير. دون أن يفعل شيئاً. إستراتيجياً، ليس من مصلحة أمريكا والصين واليابان وحدة الكوريَّتين. احتواء الزعرنة الإيرانية، ناتج عن تخوّف أمريكي من فائض الذبح الإيراني للشعوب بتوريطة أمريكا تضطرّ أمريكا بعدها، لمواجهة لا تريدها أساساً. لأن فائضاً إيرانياً مقبولاً للقوة هو المطلوب فقط.  هذا العالم بكل أوساخه تدخّل في قتل حلم السوريّين بالحرية والكرامة بعيداً عن الأسدية وفاشيّتها. على المعارضة أن تحاول إيجاد حدّ أدنى التماسك على برنامج ديمقراطي، ربّما يتيح لها الدخول من الزواريب المظلمة لهذا العالم، علّها تجد مكاناً حقيقياً لتطلّعات السوريين. الدول التي دخلت سورية لن تخرج إلا بقرار أمريكي دولي. إيران ستبقى وتركيا وروسيا وأمريكا وغيرها. هذا لا يبدو في الأفق. طالما هناك قاتل عامّ في سورية يُستخدم للقتل وكممسحة زفر.

كاتب وناشط سياسي مقيم في سويسرا