ياسين السويحة 

في أواخر تشرين الأول – أكتوبر من عام 2016، أعلن آشنون كارتر، وزير الدفاع الأميركي آنذاك، بدء «إجراءات عزل الرقة عن محيطها».

كانت قوات سوريا الديمقراطية (ونشير لها هنا بكلمة « قسد»، وهي مجموعة من المليشيات والكتائب المقاتلة، تشكل قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي -الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني- عمادها الأعظم وقوّتها الضاربة) قد وسّعت سيطرتها حينذاك على مناطق واسعة من الشمال السوري، مقتربةً من ريفي الرقة الشمالي والغربي.

منذ ذلك التاريخ، تسارعت وتيرة المعارك باتجاه الرقة، وخسر داعش مساحات واسعة من الأراضي التي كان يسيطر عليها، لتبدأ معركة حصار الرقة، فعليًا، مع انتصاف الربيع الماضي.

دامت «معركة الرقة»  أكثر من ستة أشهر، خاضت فيه «قسد»، مدعومةً من الجو من قبل طيران «التحالف الدولي»، معركة شرسة ضد داعش، الذي استمات في الدفاع عن مواقعه، إلى أن انتهت المعركة بسيطرة قوات سوريا الديمقراطية بالكامل على المدينة في العشرين من تشرين الأول – أكتوبر الماضي، حين احتفلت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالنصر في عرضٍ عسكري في ساحة النعيم وسط المدينة، في حضرة صورة ضخمة لعبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني.

أثناء معركة الرقة، وخصوصًا بعدها، تردد كلام سياسي وإعلامي كثير عن أهمية معركة إنهاء «عاصمة الخِلافة»، وظهرت تقارير صحفية ووثائقيات عن مقاتلين أجانب التحقوا بالمليشيات المُحاربة لداعش، وتقارير أخرى كثيرة عن مقاتلات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وما يمثّلنه من رمزية نسوية للمرأة المقاتلة ضد قوى الإرهاب والتطرف والظلام.

وحدات حماية المرأة في معركة الرقة

لم يكترث الخطاب الإعلامي والسياسي لكون الرقة قد أصبحت كومة من التراب والأنقاض تحت وطأة قصف جوي ومدفعي عنيف، لم يكن لجانب كبير جدًا منه أي مبرر عسكري، إذ أن العديد من المجازر الموثقة التي تسبب بها بحق آلاف المدنيين وقعت في أحياء سكنية لا جدوى عسكرية من قصفها.

أما أهل الرقة وريفها من النازحين، فبين صور يظهرون في جميعها دومًا ككتل سلبية وصامتة، تجد من «يتحدّث باسمهم»، لم يُخصص لهم إلا مكانٌ بالكاد، وهم يُدخّنون التبغ أمام الكاميرات باستمتاع إثر طول حرمان تحت سطوة إجرام داعش، بعد عبورهم نقاط تفتيش قوات سوريا الديمقراطية، أو وهن يتخلّصن من العباءات السوداء التي فُرضت عليهن خلال إقامتهن تحت سلطة قوّة إجرامية إرهابية، يشكّل قمع النساء وتغييبهن بالكامل جزءًا جوهريًا من هوسِها.

سنحتاج للبحث كثيرًا كي نجد أي تقريرٍ يهتم بالتساؤل عن الكلفة البشرية والعمرانية لمعركة القضاء على «عاصمة الخلافة»، وعمّا إذا كانت أي إجراءات قد اتُخذت للحدّ من هذه الخسائر، أو كي نجد بحثًا عن مصير عشرات الألوف من النازحين، أو سؤالًا عن مصير ما يُشكّل أحد أكبر موجات النزوح خلال المأساة السورية.

حيٌ مُدمّر في مدينة الرقة

أين هم النازحون الرقاويون؟ ما هي المخيمات التي تأويهم وما هي ظروفها الإنسانية؟ كيف تُعاملهم قوى الأمر الواقع في مناطق النزوح؟ لماذا لم تهتم أيّ منظمة إنسانية كبرى بتجهيز خطة إغاثة لما كان يُعرف أنه سيكون نزوحًا ضخمًا، على الأقل بقدر تجهيز المجتمع الدولي لـ«معركة الرقة» عسكريًا واستخباراتيًا وسياسيًا؟ متى وكيف سيُسمح لهم بالعودة إلى أنقاض بيوتهم ومصالحهم؟ ومن يضمن ذلك؟

يبدو أن كلّ شيء مباح ضد داعش، ولا ينبغي لأي قضية جانبية (أو خسائر جانبية، كما تُسمّي لغة الرياء ضحايا الحروب من المدنيين) أن تصرف كل النظر وكل التركيز عن القضاء على العدو الداعشي الإرهابي.

تقول النكتة الشائعة إن العملية الجراحية نجحت لكن المريض مات، مع فارق أن الفريق الطبي، في هذه الحالة، لم يكترث في أيةً لحظة لحياة المريض أو موته. لم يكن المريض مرئيًا حتى

لا شك أن القضاء على داعش كان احتياجًا لأهل الرقة، الذين اختُطفت مدينتهم على يد التنظيم الإرهابي في بداية عام 2014، وعاشوا سنوات ثلاثًا من الرعب والموت والفظاعة، لكن تغييب وجود المدينة كفضاء اجتماعي حيوي، وإنكار كيان الرقاويين وكرامتهم وحقوقهم، وتجاهل السجل النضالي لمجتمع قدّم تضحيات كبرى في سبيل مقاومة الطغيان الداعشي، أدّى لأن يُنظر للرقة باعتبارها مجرد موقع عسكري تنبغي السيطرة عليه بأي ثمن، دون أي اعتبار لمجتمع محلّي أُنكر تاريخه واستبيح حاضره وقُتل مستقبله. الغالبية الساحقة من مشاهد الإعدام التي كان داعش يروّج لها بكل فخر واعتزاز كانت مشاهد إعدام مواطنين ومواطنات رقاويين، تُقام في الساحات العامة الأكبر في المدينة، ولإرهاب أهلها.

رغم ذلك، لم يُعترف بالرقاويين يومًا كضحايا إرهاب أسوةً بضحايا آخرين لإرهاب داعش في مناطق أخرى من العالم، أو بضحايا داعش في الرقة من الأجانب، ولم يُقّر لهم بالأهلية والاستحقاق لأن يكونوا شركاء في المعركة من أجل استعادة مدينتهم، بل رُفضت شراكتهم وجرى تجاهلهم أولًا، ثم استبيحت دماؤهم وبيوتهم وكراماتهم ثانيًا دون أدنى اكتراث.

هكذا، حُطِّمت الرقة في خضم القضاء على خاطفها. تقول النكتة الشائعة إن العملية الجراحية نجحت لكن المريض مات، مع فارق أن الفريق الطبي، في هذه الحالة، لم يكترث في أيةً لحظة لحياة المريض أو موته. لم يكن المريض مرئيًا حتى.

تمثّل مأساة عائلة الفياض الرقاوية سيرة المدينة المُحطّمة خير تمثيل. في الخامس والعشرين من تموز- يوليو الماضي، تُوفي إسماعيل الفياض متأثرًا بجراحه إثر تعرّض مأواه لقصف «قسد» المدفعي، ودُفن في حديقة إحدى المدارس القريبة لتعذّر الوصول إلى أي من مقابر الرقة بسبب ظروف الحصار والقصف. إسماعيل الفياض هو والد مهند الفياض، أحد ناشطي الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد في الرقة، وكان من ضمن مجموعات عديدة من الناشطين الذين عملوا على محاولة تنظيم الحياة المدنية في الرقة إثر خروج قوات نظام بشار الأسد منها في آذار مارس 2013، وشارك في أنشطة احتجاجية ضد سطوة الكتائب المُقاتلة الإسلامية أولًا، ثم داعش قُبيل سيطرته بالكامل على المدينة ثانيًا.

اختطف داعش مهند الفياض في تموز يوليو عام 2014، ولا يُعرف عنه شيء منذ ذلك الحين. والد المخطوف من قِبل داعش توفي في قصف القوات القادمة لقتال داعش؛ مأساة متكررة على شكل موت ونزوح وتشريد، تجد عنفًا متجددًا ضدها يتمثّل في  الإنكار والتجاهل.

مهند الفياض هو، أيضًا، مثالٌ لعشرات الناشطين ضد نظام بشار الأسد الذين اختُطفوا على يد داعش، لأن التنظيم الإجرامي اعتبرهم خطرًا عليه منذ بدايات طموحاته للسيطرة على المدينة، وأيضًا لأن هؤلاء الناشطين تلمّسوا الخطر مبكرًا فعملوا على تنظيم الجهود لمقاومته.

هكذا بدت الرقة قبل الحرب

بدأت أولى موجات خطف الناشطين الرقاويين على يد داعش منذ تموز يوليو 2013، أي بعد ثلاثة أشهر على إعلان ولادة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، حين خُطف فراس الحاج صالح وإبراهيم الغازي، ثم رجل الدين الإيطالي الأصل باولو دالولليو، لتلحق بهم عشرات الناشطين الثوريين، من ضمن مئات من المخطوفين والمُغيّبين بسبب مقاومتهم سطوة التنظيم الإجرامي ومحاولته السيطرة على كل نواحي الحياة المدنية والاجتماعية في الرقة.

كان التغييب القسري أحد أهم أسلحة داعش ضد المجتمع المحلي لترويعه، واستُخدم آلاف المرات، إذ يُخطف المطلوب أو يُسحب عنوة من بين أهله، ولا يظهر مجددًا، ولا تظهر أي أخبار عنه بعدها. ومن المعروف أن داعش قد استخدم مناطق مثل منطقة «الهوتة»، وهي تجويف جيولوجي طبيعي في الريف الشمالي للرقة، لإخفاء مئات الجثث من المخطوفين. ومنذ نحو السنتين، تقع المنطقة تحت سيطرة «قسد» وقوات التحالف، ومع ذلك لم يجر أي نوع من أنواع التحرّي حول مئات الجثث التي رُميت فيها.

استخدم داعش مناطق مثل منطقة «الهوتة»، وهي تجويف جيولوجي طبيعي في الريف الشمالي للرقة، لإخفاء مئات الجثث من المخطوفين. ومنذ نحو السنتين، تقع المنطقة تحت سيطرة «قسد» وقوات التحالف، ومع ذلك لم يجر أي نوع من أنواع التحرّي حول مئات الجثث التي رُميت فيها

عدا ذلك، سيطرت «قسد» تباعًا على عدد من المنشآت التي استخدمها داعش كمعتقلات، مثل السدود الثلاثة على نهر الفرات أو مدرج ملعب كرة القدم في المدينة، لكن أحدًا لم يكترث للبحث في الدلائل أو الآثار التي  قد تكون تُركت هناك، وقد تفيد في كشف مصير المخطوفين على يد داعش، ولم تزر أي منظمة حقوقية دولية تلك المواقع، ولم تهتم أي جهة صحفية دولية بالبحث عن الموضوع. وَهْجَة القضاء على «عاصمة الخِلافة»  تطغى على أي مشهدٍ آخر.

عدا مأساة المخطوفين والمُغيّبين على يد داعش، عاش المجتمع الرقّاوي أيضًا، خلال شهور الحصار والمعركة، تراجيديا المفقودين تحت الأنقاض (والذين تستحيل معرفة أعدادهم حاليًا، لكن لا شك أنها باتت تشكل أرقامًا مرعبة في حجمها)، أو المفقودين خلال رحلة النزوح الخطيرة.

لم تهتم القوى المُهاجمة بتأمين طرق آمنة لإجلاء المحاصرين، وجلّ ما فعلته أنها سمحت لهم بالمرور، بقواهم الذاتية ودون مساعدة، عبر خطوطها، إما نحو مخيمات لجوء بُنيت على عجل بجهود محلية ولا تحوي أدنى مقومات العيش الكريم، ولا تغطّيها تجهيزات وتمويل الجهات الدولية التي -نكرر- لم تكترث لنزوحٍ يصل حجمه لعشرات الألوف، أو باتجاه ملاجئ أخرى يتدبرها كل واحدٍ بقدراته الذاتية.

مرَّ تقرير للـ«بي بي سي»، يُشير إلى صفقة خروج عدد هائل من مقاتلي داعش من الرقة باتجاه الشرق، بترتيب من «قسد»، مرورَ الكِرام، دون أن يسأل أحد عن جدوى تدمير الرقة بهذا الشكل، طالما كانت النهاية صفقة تسليم مقابل خروجٍ آمن

مضى على نهاية معركة الرقة حوالي الشهر، ولا تزال عائلات عديدة تبحث عن أبنائها المفقودين خلال رحلة الهروب، من رجالٍ ونساء وشيوخ وأطفال، وتجد هذه التراجيديا صداها في وسائل التواصل الاجتماعي، في مجموعات مثل «خبرني يا طير»، حيث يضع ذوو المفقودين معلومات عن أحبابهم، بحثًا عن الوصول إلى من رآهم أو يعرف مصيرهم أو مكانهم.

لا يجد أهل الرقة المكلومون أي دعم أو تضامن مادي أو معنوي من قوى الأمر الواقع في «قسد»، أو من داعميهم في التحالف الدولي ضد داعش. هناك تفرّغ كامل للاحتفال بالانتصار والانتشاء بمباركة الذات بعد القضاء على «عاصمة داعش». لا نوايا هناك لمساءلة الطريقة التي أديرت بها معركة الرقة، ولا لمحاسبة المتسببين بجرائم حرب وضد الإنسانية في خضمها، لا على المستوى الحقوقي الدولي والسياسي، ولا على المستوى الإعلامي أيضًا. مرَّ تقرير للـ«بي بي سي»،يُشير إلى صفقة خروج عدد هائل من مقاتلي داعش من الرقة باتجاه الشرق، بترتيب من «قسد» خلال الفصول الأخيرة من المعركة، مرورَ الكِرام، دون أن يسأل أحد عن جدوى تدمير الرقة بهذا الشكل، طالما كانت النهاية صفقة تسليم مقابل خروجٍ آمن.

الرقة اليوم محطمة، وهناك مسؤولية دولية عن هذا المآل المؤلم

أمام هذا التجاهل، تتوجّه كل الجهود نحو محاولة إيجاد أكرم الطرق لإعادة أهالي الرقة النازحين إلى ما تبقى من بيوتهم وحيواتهم ومصالحهم، والعمل على أن يمتلكوا عوامل مصيرهم بأسرع وقت ممكن، وأن يستعيدوا فاعليتهم الاجتماعية والسياسية دون اختطاف من قبل قوى الأمر الواقع المسيطرة، ودون أن يعيشوا خطر عودة نظام بشار الأسد للسيطرة على نقطة استراتيجية، في حالة فقدت تلك المنطقة أهميتها بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي.

الرقة اليوم محطمة، وهناك مسؤولية دولية عن هذا المآل المؤلم. الرقاويون، من ضمن ملايين السوريين الذين يعيشون أوضاعًا مشابهة، بحاجة أكثر من أي وقتٍ مضى لتضامن شعبي وإعلامي يعمل على مساعدتهم على مقاومة الاعتقال الذي يعني أن يكون الإنسان غير مرئي، وأن تكون كرامته مُنكرة، وصوته مُختطفًا، ومصيره بيد أقوياء شديدي الإعجاب بقوتهم.

ستدوم مأساة الرقة، كجزءٍ من المأساة السورية الشاملة، سنينًا طويلة، وسيطول التعافي عقودًا حتى لو حصلت أكثر السيناريوهات تفاؤلًأ اليوم.

الطريق طويل، وربما لن ينتهي، لكنه لن يبدأ دون العمل على خرق  غشاء التجاهل والنسيان، السميك واللزج والمقزز، وهنا يحتاج الرقاويون، وعموم السوريين، عونًا كبيرًا.