غسان المفلح 

     أغرقنا الحدث في تفاصيله السياسية. متابعته في جنيف، متابعته في حركيّة الوفود هناك إعلامياً، لدرجة أننا نسينا جوانب أخرى لا تقل أهمّية وخطورة من هذه المسرحية الجنيفيّة.

كتب الأصدقاء كثيراً في انتقاد رياض2 ، كونه قدّم تنازلات جمّة للنظام وللروس. هذا صحيح طبعا. الصحيح أيضاً، أنه وضعنا في عتبة يصعب التراجع عنها، في ظل هذا الوضع الدولي. هذه العتبة تقول: إن منهم مع بقاء الأسد باتوا يمثّلون الثورة السورية!! هذه النقلة ستؤسّس لمرحلة جديدة، سواء في وضع المعارضة السورية أو في الوضع المستقبلي لسورية. هنا يكمن المغزى الحقيقي من كل تأسيسات أوباما السابقة. لايزال طاقم أوباما هو من يقود الملفّ السوري في الخارجية والبنتاغون. الوفد في جنيف ليس فقط من انتخبهم الرياض2، بل أيضاً مجموعة المستشارين واللجان المنبثقة عن ديمستورا، أيضاً هنالك الآن في الوفد وهذه اللجان، مَن يتبنّى رواية الأسد عن كل ما جرى بالبلد. ليس المقصود فقط منصة موسكو، بل نحن أمام فضاء انتصر في الحقيقة. هذا التيار الذي جاهد منذ أول يوم في الثورة، كي يمنع سقوط الأسد، الآن هو في قلب التفاوض. هذا التيار منه مَن يرى أن المشكلة برمّتها في سورية، ليست في نظام الأسد، بل في المجتمع السوري ككل، ماعدا الطائفة العلوية تحت شعار لا للطائفية. منهم مَن يبرّأ الأسد من أية مجازر تمّ ارتكابها. منهم مَن يمجّد جيش الأسد باعتباره “الجيش العربي السوري”. منهم أيضاً مَن يرى أن بوتين ماركس عصره. منهم مَن يرى في الدور الإيراني وحزب الله ضرورة لمواجهة إسرائيل مع الأسد!! منهم مَن لا يريد بحث أية نقطة إلا اللهم النقاط التي من شأنها إضعاف المعارضة ذاتها. طبعاً المعارضة التي طالبت وكانت تطالب برحيل الأسد. في السابق كانت بعض أصوات المعارضة تحاول كسب بعض هذه الأصوات، المحسوبة على العلمانية!! زوراً وبهتاناً. الآن هذه الأصوات تحاول أن تبقي على بعض معارضة كانت تطالب برحيل الأسد. كي يتمّ التسويق بشكل جيد، التسويق لتأهيل الجريمة. هؤلاء يستطيع أي مراقب أن يدخل على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، لا يجد ما يدين الأسد بحرف واحد. هذه النقلة التي حدثت في الرياض2. ما تبقى تفاصيل ونتائج متوقّعة. هذه النقلة أيضاً لم تترك مجالاً لتأسيس سورية جديدة بناء على عقد اجتماعي جديد. لأنها تريد الأسد في القلب من سورية. ما يتشدّقون به أنهم ضد الطائفية وضد الإسلام السياسي والإرهاب، ما هي إلا عبارات عابرة، الغاية منها وسم الثورة بذلك. كانت كل مدينة تسقط بيد الأسد من جديد، ترى ابتساماتهم من خلال مرآة وطنيّتهم!
الآن حتى لو افترضنا أنهم استطاعوا إنتاج عقد اجتماعي جديد، فكيف للأسد أن يكون جزءاً منه؟ الأسدية هي كل ما يريدونه في هذا العقد الاجتماعي الجديد. الأسدية بوصفها نسقاً يحكم البلد للأبد. من جهة أخرى فضاء قبول الأسد هو الذي يحكم التوجّهات العامة. الأسطوانة ذاتها خوفاً من الإسلام السياسي. حسب الادّعاء طبعاً، وهم الآن متحالفون مع هذا الإسلام السياسي. الإسلام السياسي المتوافق معهم طبعاً. السؤال المطروح عندهم الآن: ليس كيف يمكن إسقاط الأسد؟ بل السؤال كيف يمكن إصلاح الأسدية؟ لأنهم هم أنفسهم أكثر من يعرف تماماً أن الأسد غير قابل للإصلاح، وغير قابل للانضواء تحت أية شرعة قانونية تحمي حقوق الإنسان. هم أكثر من يعرف ماذا تريد روسيا وإيران وحزب الله. هم شرّعوا لإيران وروسيا على العريض.

الآن الجندرة بأحسن حالاتها في سورية. وفقا لمنظور ديمستورا وجندرياته. لأن التصالح تمّ على أحسن ما يرام بين جندريات المعارضة وجندريات الأسد، وصرنا محبّة، ويدافعْن عن بعضهنّ. هذه اللفّة التي سعى لها ديمستورا منذ تعيينه مندوباً لمجلس الأمن في الأمم المتحدة. في الدستور لا خلافات نوعية بين المدسترين الجنيفيّين الآن. ملفّ المعتقلين خارج اهتمام الجندرة والدسترة وديمستورا. ملفّ المهجّرين أيضاً، للأسف هنالك بعض منهم لا يريد حتى عودة اللاجئين لسورية، لأنهم بيئة حاضنة للأنتي أسدية. آسف بيئة حاضنة لداعش!! الآن سيصير صوتهم أعلى من السابق، هم المنتصرون في الرياض2. الآن سيقولون كما قال بعضهم: إنها ليست ثورة. أيضاً هم لا يتحمّلون أية مسؤولية في ذلك بل مَن يتحمّل المسؤولية هم مَن تحالف معهم من المعارضة في الرياض2. هنالك أيضاً شخصيات ائتلافية تحت حجّة الواقعية السياسية كانت تسعى منذ أول يوم لتسلّمها مناصبها، كي نصل لهذه اللحظة. سبق واختلفنا معهم في السابق أنهم بممارساتهم سنصل إلى الواقعية السياسية!! هنا لا أستثني أيضاً مَن أعلنوا عن استقالاتهم من الهيئة العليا للتفاوض. بعدما فشل جنيف1 في تحقيق أي تقدّم يذكر، كان يجب التوقّف نهائياً عن الذهاب لجنيف هكذا كان موقفنا كأقلّية. حتى تأتي ضمانات دولية واضحة وموثّقة. الآن أستطيع القول براحة ضمير: المعارضة انتصرت على الثورة التي يرونها. هذه المعارضة الذي يشبه بعض شخوصها حبّة العدس. الدهلزة اللسانية، حتى حدود القرف. اللعب على المفردات والمفاهيم بطريقة تدعو للإقياء، أكثر ما يتمّ اللعب عليه وتمّ: شعار العمل لوقف القتل. هكذا القتل حاف، عار من قاتل.
هذه النقلة التي حدثت في الرياض2. جماعة الدوحة وتركيا ليسوا بأحسن حال، الذين تواطؤوا في تشكيل الائتلاف واستقبلوا لؤي حسين. أيضا نحن الأصوات المنفردة لم نستطع أن نتقدّم خطوة واحدة في هذا الجو الأوبامي الموبوء. بقينا وعذراً منكم، نعلك فقط. لا عذر لنا مهما كانت الأجواء. لكن الرهان على شعب قام بثورته دون هذه المعارضة، وهو صمّام الأمان رغم كل ما نراه مأساة.
في النهاية كيف للأشقّاء السعوديين مواجهة إيران وهم أحضروها إلى قلب الرياض2؟

كاتب وناشط سياسي مقيم في سويسرا