حصاد مئات أرواح الأبرياء

الرقة بوست- عروة المهاوش
أكثر من 8000 لغم في وسط مدينة الرقة فقط بحسب دراسة قدمتها منظمتا (ماك وتيروتيك) في اجتماعها مع لجنة الإعمار في مجلس الرقة المدني، والذي قدم بدوره 25 دراسة أولية من خلال برنامج “فرات” ليتم استلامها من قبل الفرق الخاصة بإزالة الألغام من المدينة وشوارعها وبيوتها، وبدعم العمليات الأولية من المنحة المقدمة من هولندا والاتحاد الاوربي البالغة خمسة ملايين دولار، كما حددت اللجان والمنظمات العاملة في المدينة مدة ستة أشهر لإزالة الألغام من المدينة واعتبارها منطقة آمنة بعد ذلك.
حين أعلنت قوات سورية الديمقراطية حي المشلب منطقة آمنة توجه الأهالي بالعشرات لدخول الحي بعد رحلة تشرد استمرت لسنوات خارج بيوتهم، فما كان من قوات قسد سوى منعهم وإطلاق الرصاص الحي على المدنيين العزل العائدين إلى منازلهم حيث أصيب العديد منهم بطلقات في مختلف أنحاء أجسادهم، لكن تصميم الأهالي على العودة أرغم تلك القوات على فتح الطريق أمامهم ليعودوا في النهاية إلى منازل مدمرة إما كلياً أو جزئياً، لكنه في نهاية الأمر هو المنزل الذي يملكونه، ولا يملكون غيره ملاذاً لهم بعد سنوات من النزوح، وهو أرحم من مخيمات النزوح، التي لا تفرقها عن معسكرات الاعتقال.
ما إن سمع أهالي الرقة بهذا الخبر حتى بدأوا يتوافدون إلى مركز المدينة بالرغم من كافة التحذيرات الرسمية من قبل المنظمات العاملة بإزالة الألغام بأن عودتهم فيها خطر كبير على حياتهم، وحياة أبنائهم وذلك لأن تلك المناطق لم تتم إزالة الألغام منها، والتي تنوعت في طريقة زراعتها حيث وجد منها ألغام (ليزرية – صوتية) أو تلك التي تعتمد على الحركة إضافة إلى الألغام الفردية التي تنفجر بمجرد الضغط فوقها بوزن معين.
في كل مكان داخل المنزل هناك خطر الموت فمن باب المنزل حين يفتح إلى محاولة فتح باب البراد، أو إشعال الضوء وحتى داخل الملابس، والأواني المنزلية أو كبسة جهاز التلفزيون ليكون في النهاية كل شيء في منزلك مفخخاً دون دراية منك. حصدت تلك الألغام في شهر تشرين الثاني وحده أكثر من مئة مدني فيما نجا البعض منهم ببتر أحد أطرافه العلوية أو السفلية وبعض الإصابات الأخرى التي تعيق مستقبلاً هذا المدني عن العمل.
شهادات كثيرة وصلتنا من أهلنا في الداخل عن تقاعس ملحوظ لدى تلك المنظمات في الإسراع بعملية إزالة الألغام من مركز المدينة، بينما يقوم عناصر قوات قسد بإبلاغ من يود الدخول إلى منزله بأنه مسؤول عن أمن حياته وحده، وهم يتبرأون من كامل المسؤولية عمّا يحدث له لو حاول الدخول إلى بيته، الكثير من الأهالي حاول مراراً الطلب منهم الكشف عن منزله، وكان الجواب دوماً بالرفض كون المنطقة لم يتم مسحها كاملة، ولم تدخل ضمن المخطط الذي يقومون بالعمل عليه في الوقت الراهن، حاجة الناس الملحة للعودة تدفعهم للتضحية بحياة أحد أبنائهم فقط كي يعودوا إلى منازلهم بعد تلك السنوات من النزوح، والتشرد في المحافظات السورية أو النزوح شمالاً نحو تركيا.
أحد الأشخاص المدنيين كان قد تبرع بشكل فردي بمساعدة الأهالي وخاصة في حي المشلب عن قيامه بالكشف وإزالة الألغام مجاناً وتطوعاً، بعد أن انتشرت أخبار عن فرق لأشخاص لم يتم الكشف عن هويتهم حتى اللحظة يطلبون مبالغ مادية تصل إلى 150 دولاراً ثمناً لمسح البيوت وإزالة الألغام منها، لكن هذا المبلغ ليس متوفراً لدى العائدين المشردين مما يضطرهم للمجازفة بحياتهم، وقد يخسرونها في أي خطوة غير محسوبة.
الكثير من الجثث تحت الأنقاض، وبعضها في الشوارع منذ بدء معركة الرقة في شهر حزيران الماضي دون قيام أي جهة بعد تحرير المدينة المزعوم بترحيل الأنقاض، وإزالة ركام الأبنية المدمرة فوق رؤوس ساكنيها، وانتشال الجثث من تحت حطام المنازل المدمرة، فالكثير من العائلات كانت قد فقدت ودفنت تحت الركام، وهذا يحتاج إلى جهود دولية لإزالة الركام، ويتحمل هذه المسؤولية بشكل مباشر القوات التي دمرت البيوت وقتلت آلاف من المدنيين العزل بمساعدة ودعم جوي من طيران التحالف الدولي.
في تقرير لقناة فرانس 24 ظهرت امرأة اسمها آيات ترتدي السواد، كانت قد فقدت عائلتها كاملة بقصف جوي من طيران التحالف الدولي منذ فترة طويلة، وحين وصلت لمكان بيتها قالت: استمر القصف لمدة 24 ساعة دون توقف فأصاب أحد الصواريخ القبو الذي نلجأ فيه، وشاهدت بأم عيني جارتي النازحة من مدينة تدمر، وقد أصبحت جثتها متفحمة خلال ثوانً، بينما شاهدت لوهلة الدم النازف من أحد أبنائي، ويستصرخني أن أساعده، وأنا المصابة بحروق في أنحاء مختلفة من جسدي، كانت كفيلة بتحطيم قواي، إضافة لهول الموقف الذي جعلني أعجز عن تقديم أي عون له، أو مساعدة بادئ الأمر. طلبت المساعدة حينها من بعض عناصر داعش وكانوا قريبين من المكان لكنهم رفضوا، فعدت إلى القبو وقلت لأبني بعد أن كثرت نداءاته لي يا بني اطلب من الله فقط مساعدتك فبقى ينزف ويدعو الله بمساعدته حتى الفجر.. حينها فارق الحياة.
وتتابع حديثها قائلة: تحت هذا الركام أربعة من أبنائي وزوجي إضافة إلى والدتي وشقيقتي، اليوم وبعد الاستيلاء على المدينة طلبت مراراً من “الأكراد” إزالة الركام واستخراج جثث عائلتي لدفنهم كما يجب لكنهم كانوا يطلبون مني مبالغ مالية ليست لي قدرة عليها ثمناً كما يدعون لتسيير الجرافات والتركسات وفريق العمل ثم تقول: كيف لدول وقوات استطاعت تدمير مدينتي وقتلت أهلي بكل سهولة لا تستطيع إخراج الجثث من تحت الأنقاض كيف؟!!
تنهي آيات حديثها بدمعة وهي تنظر للكم الهائل من الركام الجاثم فوق أحبتها.
وفي سياق متصل صرّح العقيد طلال سلو “المنشق” عن قوات سورية الديمقراطية لوكالة الأناضول التركية رداً على السؤال التالي: قال قائد القوات الخاصة الأمريكية ريموند توماس، إن إطلاق اسم قوات سوريا الديمقراطية على “ي ب ك”، “حملة ذكية من أجل إكسابها الاعتبار”، ألم تتكون بعد هوية خاصة بقوات سورية الديمقراطية؟
الجواب: السبب الأساسي (لهذه التسمية) هو اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية مع القيادة الكردية، ليس لدي علم (بالتفاصيل)، لكن بحسب المعطيات التي رأيناها، كان هناك توجه من قبل القيادة الأمريكية لدعم الأكراد بالسلاح والعتاد، ولكي لا يحدث صدام لدى الرأي العام بخصوص تقديم الدعم للأكراد فقط، شكلوا قوات سورية الديمقراطية. السلاح كان يرسل لقوات سوريا الديمقراطية قبل التشكيل والتسمية.
تكلموا عن وحدة المكونات (الخاصة بقسد) ولكن لا وجود لهذا الأمر. والمكون الأساسي هو الكردي، والقيادة الأساسية التي تمتلك كل القرارات هي قيادة “بي كا كا” الإرهابية. تكلموا عن القضاء على الإرهاب، وتفاجأنا لأنه حين يجري القضاء على الإرهاب نرى عملية تهريب لعناصر تنظيم داعش، ووجدنا أن العملية تمت بالاتفاق بين قيادة “قسد” وشاهين جيلو والقيادة الأمريكية.
كل الذي رأيناه أن الهدف من التشكيل هو مجرد شعارات، وتبين لي أنها شعارات زائفة وبعيدة عن الواقع، وأرادوا من خلالها التأثير على تفكير المواطن الموجود في تلك المناطق والإيحاء بأن قوات “قسد” لديها قوات محررة وقوات تعمل على القضاء على الإرهاب، وقوات ستجلب للمواطن الحرية والكرامة والعدالة وغيرها.
غير أنه للأسف الذي حصل هو تدمير للمدن وتشريد وقتل السكان حتى عند وضعهم ضمن مناطق محمية، كانوا يقومون بعملية ابتزاز للسكان، وقتلوهم وشردوهم ودمروا ديارهم وبيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم.
إذا الغاية من التأسيس تمثلت في شعارات كاذبة فقط لا غير، تمت بموجب اتفاق بين الإدارة الأمريكية وشاهين جيلو وقيادة “بي كا كا”. طبعاً هناك أهداف للولايات المتحدة، وهذا الأمر تبين لنا لاحقاً، فأمريكا هدفها أولاً من خلال دعمها ما يسمى “قسد” هو إيصال السلاح والدعم العسكري لـ”ب كا كا”. طبعا أرادوا أن يظهروا بصورة المنتصر، وأن يصوروا الإدارة الأمريكية على أنها قضت على الإرهاب وعلى عاصمة الإرهاب، الرقة، وعلى “داعش”.