عبدالله محمد

سجل تاريخ يونيو/ حزيران من عام 2011 بداية صفحات سوداء لسلاح الجوي السوري، عندما أخذ يشارك في قمع الاحتجاجات الشعبية، من خلال تغطية عمليات اجتياح قوات النظام مدينتي جسر الشغور ومعرة النعمان في ريف إدلب، إذ استهدفت المروحيات المتظاهرين، ما تسبب في مقتل 38 مدنياً، كما يقول العقيد الطيّار عبد الرحمن حلّاق، الذي خدم في فرع العمليات الموحّد في حمص وانشّق مطلع الثورة في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2011 .

اليوم، وبعد ست سنوات على اندلاع الثورة السورية، تُسيطر قوات بشار الأسد على الجزء الأكبر من الأراضي السورية، بفضل سلاح الطيران، الذي كان له القول الفصل في المعارك التي خاضها النظام مع قوات الثوار التي لم تمتلك سلاحاً لمواجهة الطيران، كما يضيف الحلّاق.

سلاح الجو بالأرقام

يقود سلاح الجو السوري 38 لواء، موزّعين على 17 لواء في قيادة القوى الجوية و21 لواء طياراً ولواء ملّاحاً و7 ألوية في التشكيلات الجوية المقاتلة، بينما يضم سلاح الجو 260 عميداً، موزعين على 100 عميد يعملون في قيادة القوات الجوية وإداراتها وفروعها ومقّرات القيادة الجوية، و160 عميداً طياراً عاملاً تحت السلاح في التشكيلات الجوية، يتوزّعون على 70 عميداً مقاتلين في الفرقة الجوية 20 والفرقة الجوية 22 واللواء 24، و11 عميداً في لواء النقل العسكري الجوي، وأربعة عمداء طيارين في الكلية الجوية، و75 عميداً طيارين في طيران الحوّامات، بحسب إحصاء موثق حصلت عليه “العربي الجديد” في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عبر موقع زمان الوصل السوري المعارض وطابقه معد التحقيق عبر ثلاثة مصادر يحملون رتبة عقيد في القوات الجوية السورية.

وبالنسبة للرتب المتبقية، من عقيد وحتّى ملازم، فثمّة 110 طيارين، بينهم 20 طياراً ملّاحاً على سوخوي إس يوــ 24 (Sukhoi Su-24)، وهي طائرة هجوم أرضي مخصصة للأهداف الأرضية دخلت إلى الخدمة في عام 1974 بالاتحاد السوفيتي، ويعمل هؤلاء في الفرقة 22 والفرقة 22 واللواء 24 جوي، ويحمل 60% من هؤلاء رتبة عقيد.

وهناك أيضاً 105 طيارين في الكلية الجوية على الطائرة آرو إل-39 ألباتروس (بالتشيكية: Aero L-39 Albatros)، وهي طائرة تدريب نفاثة عالية الأداء طورت في تشيكوسلوفاكيا أثناء الستينيات، بينهم 78 طياراً برتبة ملازم، فيما يعمل في اللواء 29 نقل عسكري 30 طياراً، إضافةً إلى 200 طيار في سلاح المروحيات، ليكون مجموع الطيارين العاملين في القوى الجوية من رتبة ملازم إلى رتبة عقيد 445 طياراً، من بينهم 50 طياراً موقوفين عن العمل لأسباب أمنية موزعين على مقرات قيادة القوى الجوية.

أمّا الملاحون فيبلغ عددهم 75 ملّاحاً في التشكيلات الجوية كافةً، بالإضافة إلى القوات الجوية، في حين يوجد 100 ملاح في فرع الملاحة الجوية في قيادة القوى الجوية وإدارة العمليات الجوية بمقر القيادة، ليصبح مجموعهم نحو 175 ملاحاً، بحسب الإحصاءات

طائرات ومروحيات النظام

يمتلك النظام السوري طائرات حربية مقاتلة من طراز “ميغ 21، ميغ 23 م ل، ميغ 23 ب ن، ميغ 29، سوخوي 22 م2م3م4، سوخوي 24، وطائرة التدريب إلـ 39، ويبلغ عدد هذه الطائرات التي تعمل بجاهزية منخفضة أقل من 50% من بين 103 طائرات من تلك الأنواع. ويصل عدد الطائرات المعطّلة والمخزنة التي لا توجد لها قطع غيار إلى 136 طائرة منها. وتخدم في قوات الأسد الجوية أنواع عدة من المروحيات من طرازات م/د، دعم ناري، نقل قتالي، بحرية، ويبلغ عدد المروحيات من طراز “mi-8+mi-17 ” التي تعمل بجاهزية منخفضة جداً أربع مروحيات، في حين أن مروحيات الدعم الناري العاملة حتى الآن من طراز “mi-25” يبلغ عددها ثماني مروحيات، ولدى النظام 20 مروحية جاهزة، من طراز جازيل، في حين أن المروحيات البحرية التي ما زالت تعمل من طرازي “mi-14 و kamof28” يبلغ عددها ثماني مروحيات، أي أن عدد المروحيات العاملة يصل إلى 40 مروحية، نسبة جاهزيتها دون 60%، فيما يخزن النظام في مطاراته 52 مروحية لا يتوفر على قطع غيار لها، ما حرمه من صيانتها.

وتتحدد رواتب الطيارين السوريين وفقاً للأقدمية والدرجة العسكرية، ويتراوح راتب العقيد الأساسي بين 70 ألف ليرة سورية و80 ألف ليرة (155 دولاراً أميركياً)، في حين أن راتب العميد الطيار يتراوح بين 80 ألف ليرة و85 ألف ليرة (165 دولاراً)، ويصل راتب اللواء الطيار 95 ألف ليرة (نحو 185 دولاراً).

صناعة الولاء

حتّى ما قبل عام 1982، كانت إمكانات سلاح الجو السوري تعدّ من بين القوات الجوية الجيدة في المنطقة العربية، ولكن بعد هذا التاريخ خسرت سورية في سماء لبنان خيرة طيّاريها في يونيو/ حزيران 1982، إذ خاضت 170 طائرة سورية معركة سهل البقاع في مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، الذي لم يفقد أي طائرة فيما فقد السوريون 90 طائرة، كما يقول العقيد الركن الطيار إسماعيل أيوب، الذي خدم 26 عاماً في السرب 696 سوخوي 24 وفي اللواء 17 في مطار السين العسكري بريف دمشق.

عقب هذه المعركة تخلّص حافظ الأسد من العديد من الطيارين وبدأ منذ عام 1986 في ضم طيارين شديدي الولاء له، موضحاً أن الأسد الابن تسلّم عام 2000 وكانت النسبة الكبرى من الطيارين الموالين بشدة، وهو ما تبدّى من خلال قلة عدد المنشقين من بينهم.

وتابع أيوب “النظام جهّز سلاح الجو ليومٍ سيطلب منهم فيه قصف السوريين، إذ وضع خطّةً أيديولوجية أضعف فيها الشعور الوطني، وحصر الانتماء بالقائد والنظام وحماية الرئيس، وكرّس عقيدة الجيش كاملة لحماية الرئيس”، لافتاً إلى أنّه بعد اندلاع الثورة كانت قيادات المخابرات الجوية تجتمع بالطيارين وتشحنهم وتغسل عقولهم بأن ما يفعلونه ضروري للدفاع عن الوطن من الإرهابيين، بحيث يكونون قادرين على قصف المدنيين من دون أي رحمة، مشيراً إلى أن: “النظام قتل الشعور الإنساني لدى الطيار من خلال التوجيه السياسي والضخ الأيديولوجي وحتى الديني الذي كان يتم عبر عناصر يعملون في المخابرات”.


المخابرات الجوية

في كل جيوش العالم تعود مرجعية سلاح الطيران إلى قيادة أركان الجيش، لكن في سورية فإن الآمر الناهي في القوات الجوية هي إدارة المخابرات الجوية، وهي فرع المخابرات الأكثر قوة ومرتبطة بمكتب الأمن القومي السوري بحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم، وفق ما أكدت لـ”العربي الجديد” مصادر التحقيق، ومن بينهم العقيد أيوب، الذي قال إن جميل حسن رئيس إدارة المخابرات الجوية السورية الشخص الأهم في قيادة القوات الجوية، إذ يفرض رقابة لصيقة على الطيارين، الممنوعين من إبداء آرائهم في أي مسألة، حتى ولو كانت تقنية، قائلاً “تتم كتابة تقرير أمني في كل من تظهر لديه نبرة معارضة واعتقاله وتحقيره وضربه، مشيراً إلى أنّه حتّى خلال تنفيذ عمليات القصف، فإن النظام يرسل طياراً ومساعده والضابط المسؤول عن الإطلاق إضافة إلى عنصر مخابرات موالٍ له مهمته الرقابة على عمل الطيّار والطاقم”.

من جهته يشرح العقيد ملّاح أحمد مصطفى “اسم مستعار نظراً لرفضه الكشف عن هويته لحماية عائلته” الذي عمل في إدارة القوات الجوية السورية، أن المخابرات كانت تتعامل بمعايير ازدواجية تماماً مع الطيارين، إذ إنَّهم جميعاً ممنوعون من السفر الخارجي منذ الثورة السورية، في حين أن السفر الداخلي والإقامة يتم تحديدهما وفقاً لولاء الضابط للنظام، وأشار إلى أن الضبّاط الموالين له ليسوا ممنوعين من السفر الداخلي، سواء كانوا يشاركون بالقصف أو لا، ولهم ولأسرهم حرّية التنقّل والعيش في قراهم في حال أرادوا التنقّل بين منازلهم وقطعهم العسكرية وتنقلهم حوّامات خاصة حفاظاً على أمنهم.

وفي المقابل فإن الطيّارين من الذين لم يقدّموا الولاء الأعمى للنظام كان التشديد على سفرهم الداخلي كثيراً، وازداد الأمر بعد سلسلة الانشقاقات في عام 2012، إذ أُجبروا على وضع أسرهم داخل المساكن العسكرية القريبة من قطعهم، وتحتوي هذه المنازل على حرّاس وعناصر مخابرات يراقبون كل شيء، وفقاً لمصطفى، الذي أشار إلى أن الطيارين الذين كانت عائلاتهم خارج المساكن أجبروهم على التقيّد بالعيش فيها.


إغراءات

الخطابات التعبوية والتحريضية لم تكن كافية لدفع الطيارين إلى قتل المدنيين بشراسة، سواء بالقصف الصاروخي أو البراميل المتفجرة، بحسب ما يوضح العقيد الطيار عبد الرحمن حلاق الذي كان طيّاراً ومدرّباً قبل أن ينشق، إذ كان الضباط يعيشون حالة فقر مدقع وكل ثلاثة منهم يتناوبون على سيارة “جيب واز” مهترئة، ولا يملكون راتباً كافياً لعائلاتهم، واستغلَّ النظام هذا الأمر ومنح كل واحدٍ منهم سيارة حديثة موديل “رينو” وقام برفع رواتبهم ومنحهم مكافآت عن كل طلعة جوية، إضافةً إلى توظيف نسائهم وأولادهم وبناتهم وأقاربهم وتسيير أمورهم فوق القانون.

يشاطره الرأي العقيد أيوب، الذي أشار إلى أنه في بداية الثورة حصل طيارون على مكافآت تصل إلى 100 ألف ليرة، إذ كان عدد قليل من الطيارين جاهزين للقصف، ولكن مع زيادة الشحن المخابراتي ووجود عدد كبير من الطيارين الجاهزين تضاءلت المكافأة، وهو ما يعتبره الطبيب النفسي المقيم في تركيا أحمد جلال عاملاً غير حاسم في دفع الطيار إلى عدم الشعور بالذنب عندما يلقي بالبراميل المتفجرة على أبناء شعبه، قائلاً “هناك أشخاص مهوسون بالسلطة ومستعدّون لتنفيذ كل شيء لقاءها، وهناك طيارون موالون يشحنون نفسياً بأنّهم يخوضون معركة وجود، ما يجعل غريزة الدفاع عن النفس تتحكم في تصرفاتهم”.

العربي الجديد