الرئيسية / كتاب الموقع / القصاص في زمن الأنجاس

القصاص في زمن الأنجاس

الرقة بوست ـ عروة المهاوش

كان يصرخ بهم بأعلى صوته: “أخي بريء وأنتم مخطؤون في تنفيذ حكم القصاص به، تهمة أخي هي التدخين فقط، هناك خطأ ما”، فيأتيه الرد ممن يمسك بالسيف الذي سيقطع رأس أخاه مزمجراً وغاضباً: “أخوك مرتد، وسينال القصاص، وإن لم تسكت ستكون مكانه، وأقطع رأسك أيضاً”.

كان ذلك اليوم قبل عيد الأضحى المبارك من عام 2016 بيومين حين سمع من العوام، كما يسميهم تنظيم “داعش” في مدينة الرقة، بأن حكماً للقصاص سينفذ عند دوار “الدلة” الشهير في المدينة، ولأن له كما لغيره أقرباء وأصدقاء خطفهم التنظيم تحت تهم كثيرة وباطلة، فقد ساقته قدماه نحو المكان في الزمان المحدد، اتخذ من الصفوف الأمامية مكاناً له كي يرى المشهد عن قرب، لكنه لم يكن يتوقع أن يرى أخاه بين من سينفذ بهم حكم القصاص. ارتعدت أوصاله وبدأ جسمه بالرجفان وصرخ أخي بريء يا شيخي، إنه بريء ولا بد أن هناك خطأ ما، لكن المتعطش للدم ولقصّ الرقاب كان يشحذ قوة زنده ليهوي بسيفه على رقبة أخيه، وحين قطع الرأس، حمله متفاخراً ومنادياً بالناس هذا مصير كل خائن مرتد يتعامل مع الكفرة، فيما سقط أخوه من هول المشهد والدماء التي ملأت المكان.

كانوا خمسة أبرياء ذبحهم متعطشون للدم قدموا إلى مدينة الرقة من كل بقاع العالم، حمله بعض المتواجدين نحو الرصيف القريب، وكسر أحدهم بصلة وقرّبها من أنفه، فيما رشّ بعض المارة عليه الماء كي يصحو من غيبوبته، لكن لسانه كان يتحرك وصوته المخنوق يخرج بهمهمة فهمها الناس ممن حوله فقط، كان ينادي أخي بريء أخي بريء حسبي الله عليكم ثم يرتعش الجسد كمن قطع رأسه تواً.

حين أدخلوه منزل أهله صرخت أمه وأصيبت بالشلل الفوري، حيث رأت قدميه في بادئ الأمر، ورأسه لم يكن ظاهراً لها، فظنت أنهم أحضروا لها جثة ابنها المقطوعة الرأس كي تراها للمرة الأخيرة، فقد كان الخبر قد وصلها من بعض نسوة الحي، وحين صاح بعض الرجال لا تخافي أماه فقد أصابه بعض التعب فقط لكن رعشة جسدها على الأرض لم تتوقف حتى حين لمست جسده المتحرك والدافئ ففتح عينيه وتمتم أخي بريء أخي بريء.

بعد العيد مباشرة يكتشف القتلة أنهم ذبحوه ظلماً ونتيجة خطأ منهم فقد قتلوا إنساناً بريئاً كانت تهمته التدخين فقط، وهذه العقوبة لا تستوجب القصاص أو القتل، يأمر الأمير عناصره بأن يقدموا ديّة لوالدة القتيل ثمناً لحياته ودمه الذي ذهب هدراً، يحمل العناصر معهم مبلغ مليون ليرة سورية وهي الدية التي أقرها التنظيم في المدينة، حين وصولهم المنزل يستقبلهم وجه أخيه الشاحب فيبادره أحدهم بالقول جئنا لدفع ديّة شقيقك لوالدتك، فهل تسمح لنا بالدخول بعد استئذانها ومن في البيت؟ يدخلهم إلى غرفة فارغة ويذهب ليخبر أمه بالقادمين إليها، تلبس لباسها الشرعي وتتوجه بكل غضب أم فقدت أعز ما تملك في دنياها، تدخل الغرفة وتشير بيدها إلى أحدهم أن تكلم فأنا أسمعك فيقول: جئنا اليوم لدفع دية ابنك وهي مبلغ مليون ليرة سورية بعد أن اكتشفنا أنه ظلم، وتم قتله بطريق الخطأ، وقد أمر الأمير أبو فلان بدفع الدية لك، حينها رفعت حجابها عن وجهها فيما صرخ فيها عناصر التنظيم ارخي حجابك أيتها المرأة واتقي الله لكنها قالت لهم انظروا إلي جميعاً وحين تلاقت عيونها بعيونهم قالت: عودوا بوسخكم إلى أميركم فكل أوساخ العالم لا تعادل نقطة دمٍ واحدة من ولدي ورسالتي لكم ولأميركم، هنا أصغى الجميع لما ستقوله لهم فملأت فمها بصاقاً وبصقت في وجوهم وهي تشتمهم قبل خروجها من الغرفة نحو غرفة ابنها الذي قتلوه قبل أيام.

كانوا عشرة أبرياء تم ذبحهم في يومين على التوالي، كل يوم خمس أرواح زُهقت بلا ذنب اقترفوه لتمتلئ ساحة الدوار بدمائهم الزكية وليبقى ألم فراقهم يعذب قلوب أمهاتهم فقط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »