تُشكل ظاهرة الألغام المزروعة في مدينة الرقة عقبةً أمام عودة سريعة لسكانها، إلى ما تبقى لهم داخلها من مساكن وأرزاق؛ وقد وثّق ناشطون محليون، حتى يوم قبل أمس، أسماء 155 شخصًا ممَنْ قُتلوا بهذه الألغام، بعد عودة هؤلاء لتفقد بيوتهم وممتلكاتهم. ويُشير هؤلاء الناشطون إلى احتمال أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير، لأن عمليات التوثيق غطّت مناطق من المدينة وأريافها القريبة، مما يتوفر فيها وسائل اتصال فحسب. وهذه الإحصائية تشمل الشهر ونصف الشهر الماضيين اللذين شهدا محاولات لإعادة بعض الحياة إلى جنبات المدينة، من قبل سكانها الذين فروا إلى الأرياف القريبة، في أثناء عمليات القصف بالطيران الحربي والمدفعية والصواريخ، من قبل قوات التحالف الدولي ضد تنظيم (داعش) وقواته الأرضية المُمثلة بميليشيا (قوات سورية الديمقراطية/ قسد)، بمعونة أكثر من ألفي جندي أميركي وبضع مئات أخرى من جنود فرنسيين وألمان.

عمليات التحالف التي انتهت منذ نحو شهرين، بطرد تنظيم (داعش) من محافظة الرقة كلها، تركت المدينة كتلةً هائلة من الركام والحُطام الذي يُذكر بما كانت عليه حال بعض المدن الألمانية، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكانت مدينة الرقة قد شهدت خلال الأسابيع القليلة الماضية، حركة عودة حذرة ومتقطعة لبعض سكانها القاطنين في أحيائها الطرفية، فيما يقوم بعض سكان مركز المدينة بزيارات استكشافية، برفقة أشخاص من ميليشيا (قسد) متخصصين في كشف وإزالة الألغام، بنية تحري أحوال بيوتهم وأرزاقهم.

ظاهرة الألغام في مدينة الرقة أكثر من لافتة، ليس بسبب العدد الكبير من ضحاياها فحسب، بل بالنظر إلى وجودها في الأصل، فهي تشكل لغزًا محيرًا يستثير عددًا من السيناريوهات المتباينة والمتضاربة؛ إذ يشير ناشطو وسكان المدينة إلى أن ظاهرة هذه الألغام تقتصر على الرقة، دون غيرها من المدن والبلدات والمناطق التي خضعت لسيطرة تنظيم (داعش). فقد دُحر التنظيم المتشدد، وطُرد من عدد من المدن العراقية والسورية، من دون أن يخلف ظاهرة بهذا الحجم والخطورة والإضرار بالسكان المدنيين، الأمر الذي يثير الشك في حقيقة ووظيفة هذه الألغام، ناهيك عن أن التنظيم لم يخلف ألغامًا بهذا العدد والكثافة، في مدن وبلدات أخرى في محافظة الرقة نفسها، مدن وبلدات كان قد انسحب منها خلال الفترة الماضية؛ حيث لم تظهر مخاطر لألغام بهذا الشكل، لا في الطبقة ولا في الجرنية ولا الكرامة، ولا تل أبيض أو سلوك اللتين انسحب منهما منذ صيف العام 2015. فما هو السر في ألغام الرقة؟

بينما يشدد إعلام (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي وميليشياه (وحدات حماية الشعب والمرأة)، على أن كل الألغام المزروعة في الرقة هي من مخلفات تنظيم (داعش)، فإن سكانًا محليين وناشطين سياسيين وإعلاميين يرسلون إشارات إلى أن ظاهرة الألغام هذه خلقتها الميليشيات الكردية المسيطرة على المدينة، بغرض تأخير عودة السكان إلى مدينة الرقة، لغايات سياسية وعسكرية بعيدة الأمد. إلّا أن فريقًا ثالثًا يرى أن ألغام الرقة صناعة مشتركة بين الطرفين: (داعش وقسد). ويشير هؤلاء إلى أن تنظيم (داعش) كان قد زرع ألغامًا في مناطق معينة في المدينة، وبخاصة في أنفاق حفرها في مناطق كان يعتقد أن دخول القوات المهاجمة سيكون منها، وهذه تقع في شمال المدينة وشرقها، كما زرع ألغامًا أخرى في مقاره قبل انسحابه منها، لكن يُستبعد أن يكون زرع كل هذا العدد من الألغام في منازل المدنيين، من دون مسوغ عسكري.

كما يشير هذا الفريق إلى أن الألغام المزروعة تتميز بتقنية عالية، تجعلها تنفجر بتحفيز من مستويات معينة من الصوت أو الإضاءة أو الحركة، ويرجحون أن مصدر هذه التقنية هو الميليشيات الكردية التي تتمتع بدعم عسكري واستخباري وتقني من دول التحالف الدولي. يُضاف إلى ذلك تحول مهمة استكشاف مواقع الألغام وتفكيكها إلى مهنة تدر أموالًا على عناصر هذه الميليشيا المتخصصين بنزع وإزالة الألغام. وقد سُجلت شهادات لسكان محليين دفعوا 50 ألف ليرة سورية، مقابل كشف وإزالة اللغم الواحد، حيث دفع أحد المواطنين مبلغ 150 ألف ليرة سورية، مقابل إزالة ثلاثة ألغام من منزله الذي وجده قد عُفش بالكامل؛ الأمر الذي يُشير إلى أن الألغام الثلاثة كانت قد زُرعت، بعد عملية سرقة أثاث ومحتويات المنزل لا قبلها، وإلا؛ كانت انفجرت باللصوص.

كما يُشار أيضًا إلى أن ثمة تطابقًا بين خريطتي المناطق المعفشة والمناطق الخالية من الألغام، بعبارة أخرى، ثمة تطابق بين وجود الألغام والمناطق التي لم تُعفش بعد؛ ما يؤشر إلى علاقةٍ ما بين وجود الألغام والسرقة. هذا الاستنتاج يتعزز بحقيقة أن ضحايا الألغام هم من المدنيين حصرًا، في حين لم تُسجل -حتى اليوم- أي حادثة انفجار بعنصر من مجموعات التعفيش هذه. وكانت مجموعة (إعلاميون بلا حدود) الرقية قد نشرت عددًا من الفيديوهات التي تُظهر عمليات كسر وخلع وتعفيش، يقوم بها عناصر من ميليشيا (قسد) في مدينة الرقة وريفها القريب. كما تُشير الأخبار إلى ازدهار ثلاثة أسواق للاتجار بالمواد والأثاث والأدوات المسروقة من منازل الرقة، في ثلاث مناطق خاضعة لسيطرة الميليشيات الكردية: رأس العين، وعين عيسى، ومنبج. الأمر الذي يشير إلى سياسة ممنهجة للنهب والتعفيش تصب في خدمة اقتصاد الحرب الذي تُديره هذه الميليشيات.

تبدو ظاهرة ألغام الرقة اليوم بؤرة تتركز فيها مصالح اقتصادية وعسكرية وأمنية وسياسية وإعلامية للطرف المنتصر في صراع السيطرة على المحافظة ومجتمعها، لكن المدنيين الأبرياء من سكانها هم مَن يدفع ثمن هذه المصالح المشبوهة؛ وربما يدفعون ثمنًا أكبر مما دفعوه لتنظيم (داعش)، خلال أربع سنوات من سيطرته على المحافظة، وتحويلها إلى ساحة للعنف المنفلت والدمار العبثي.

جيرون