الرقة بوست ـ قاسم الهندي

4_ذرة اوكسجين رابعة O4

إذاً فلنربط الأحزمة ولننطلق جميعا، في رحلة استكشاف ممتعة الى كوكب الغازات.

الذي جاء منه الإخوة أوكسجين لحماية كوكب الارض، والمساعدة على توطن الحياة به.

وما إن وصلنا إلى الكوكب، حتى لاحظنا حالة هرج ومرج تعم كوكب الغازات، وكل الغازات مجتمعة في بيت سيد الغازات تناقش وضع كوكب الأرض، في إمكانية بث الحياة فيه، وكيفية حمايته من الأشعة الضارة للشمس، ومن تلاعب الرياح به.

وتناولوا مصير الكثير من الغازات التي ذهبت في رحلات لهذا الكوكب دون استطاعتها فعل شيء، وعدم معرفة مصير الكثيرين ممن ذهبوا لهذا الكوكب، كالتوأم هيدروجين الذين لم يعد أحد من الغازات يعلم ما حل بهم.

كثرت النقاشات، وكثرت معها الحلول المقترحة لإيجاد حلول لهذا الكوكب، وكل تلك الحلول كانت رهناً بإيفاد بعثة أخرى إلى كوكب الأرض.

تلك البعثة التي صمت الجميع أمامها، في رفض ضمني لعدم الرغبة بالذهاب، إلى أن انبرى أحد الاخوة اوكسجين الستة، قاطعاً الصمت قائلاً باستعداده للذهاب ببعثة الى كوكب الأرض، عسى ولعل أن يجد صديقيه التوأم هيدروجين الذين فقدوا في بعثة سابقة، فانبرى باقي إخوته الخمسة للتطوع، ومرافقة أخيهم في رحلته المحفوفة بالمخاطر لذلك الكوكب المجهول.

انطلق الإخوة اوكسجين مسرعين بمركبتهم الفضائية نحو الأرض، وما إن وصلوا حتى بادر الإخوة الثلاثة الأكبر سناً بالإحاطة بكوكب الارض، مشكلين غلافاً يحمي الكوكب من أشعة الشمس الضارة، ويحمي إخوتهم الثلاثة الهابطين إلى الكوكب، ومن يومها صار يرمز للإخوة الثلاثة بالرمزO3 أو غاز الاوزون، الذي يشكل جزءاً مهما من الغلاف الجوي.

انطلق الإخوة الثلاثة مسرعين، ولم يفعلوا شيئاً بداية سوى البحث عن أصدقاء أخيهم الاصغر التوأم هيدروجين، وأخيراً وجدوهم مختبئين في حفرة عميقة اتقاء للرياح القوية، والأشعة الضارة. فرح الأخ الأصغر كثيرا بوجود صديقيه وقرر عدم تركهما نهائياً، واتحد معهما في اتحاد يعبر عنه كيميائياH2O (الماء)، وملأوا بهذا الاتحاد تلك الحفرة التي كانوا مختبئين بها فصارت محيطاً، وباقي الحفر العظيمة صارت بحارا، والأودية صارت أنهارا، ليكونوا النواة الاولى للحياة على كوكب الارض.

وبعد أن اطمأن الأخوان المتبقيان على استقرار أخيهما الصغير، برفقة صديقيه، قررا أن يبقيا مع بعضهما متجولين في الهواء، بين إخوتهم الثلاثة o3، وأخيهم وصديقيهH2O، متنقلين بكل حرية مشكلين غاز الاوكسجين O2، داخلين بكل عمليات تنفس كائنات هذا الكوكب، ومانحيها الحياة، وفاتحين المجال أمام باقي الغازات (نيتروجين، كربون،…..) للهجرة إلى كوكب الارض، واعماره.

5_ذرة أوكسجين خامسة O5

بعد أن عدنا من رحلتنا إلى كوكب الغازات، قررنا أن نحط على صفحات مجلات أسامة للأطفال في سورية، كي يعيشوا معنا تلك المغامرة، ويستفيدوا كما نحن، من فكفكة لغز هذا الغازات، وطريقة عملها.

لكن و بعد أن حططنا على صفحات مجلة أسامة بقليل، عاد للظهور شبح ذاك الأستاذ المتلاعب بالمعرفة، والمالك لها، لكن هذه المرة على شكل رئيس/ة تحرير.

أعيدت صياغة النص مرة أخرى بحجة طوله، ليتوائم مع حجم وعدد صفحات المجلة، دون العودة للمغامرين الذين خاطروا برحلتهم الاستكشافية، ودون الاهتمام بالحد الأدنى المطلوب من أي نص، في كونه حاملا لمعلومة يحاول إيصالها.

فصار النص بعد تعديله، أن ذرتي الاوكسجين O2 هي الساكنة في البحار والمحيطات، ومشكلة للمياه!! وذرتي الهيدروجين مع الاوكسجين هي ما نتنفسه!

لنختنق، وتختنق معنا المعرفة في سوء إدارتها. ولتبقى ذرات الأوكسجين الثلاثةO3 ثابتة مكانها ليس أكثر من شاهد على تشويه المعرفة، بعد انتفاء مهمتها الوظيفية بحماية الكوكب، لتصبح مجرد ستاراً مسرحيا يسدل على نهاية فصل درامي من إعدام المعرفة في أنظمة الاستبداد.

هذا ما يجري مع المعرفة في أنظمة الاستبداد، عندما يتم التعامل معها بشكل تملكي، استعلائي، يأخذ صفة اليقينية والقطعية غير القابلة للنقاش (وإن كانت على خطأ)، ليصار إلى إلغاء المعرفة باسم المعرفة نفسها، والسياسة أيضاً باسمها، وكل العلوم، وأخيراً إلغاء مجتمع بأكمله، وتحويله إلى جمهور/طلبة، متلقي/ مستمع للمعرفة غير مشاركين ولا متفاعلين معها، ولا يملكون سوى الانبهار بهذه المقدرة الخوارقية، “للمعرفة” وغير المتأتية سوى للقلة القليلة ممن اتقنوا فنون السحر (المعرفة).

لتصبح المعرفة على أيديهم أقرب للموعظة منها إلى ذاتها أي المعرفة، موعظة على لسان الأستاذ والقائد والخطيب وفي الشارع وفي البيت، لا يأتي هذه الموعظة (المعرفة) الباطل لا من أمامها و لا من خلفها، وما على القوم سوى امتثالها بصيغتها اليقينية المقررة، دون حق في إبداء الرأي من جمهور المعرفة، امام سدنة المعرفة.

6_ ذرة اوكسجين سادسة O6

ختاما ليس المطلوب إعادة المجتمع لحالة طفلية، ليتم ايصال المعرفة إليه. بقدر ما أن يتم التعامل مع المعرفة كحالة متغيرة باستمرار، لا بد من طرح الأسئلة دائماً حول ماهيتها، لتلقي إجابات دائمة، ومستمرة، إجابات تنقض وتنتقد ما قبلها من إجابات، عن طريق تخليق أسئلة دائمة تحاول دائما أن تستكشف هذه الحياة، وتسهم في تطويرها.

فالسؤال هو الأساس لامتلاك المعرفة، وليس الأجوبة القطعية واليقينية، النافية واللاغية لحركة وتطور الحياة.

فإن كان من تحبيذ لحالة طفلية في النظر إلى المعرفة، فحبذا لو كانت حالة الدهشة (ليس حالة الانبهار باليقينية)، تلك الدهشة المرتسمة على وجوه الأطفال في صياغتهم الأسئلة تلو الأسئلة دون كلل، في محاولتهم معرفة ما هي الحياة.

نحن بحاجة لتلك الدهشة المعرفية على لسان طفل رأى عصفوراً لأول مرة، وأعاد السؤال مرة تلو الأخرى لمعرفة ماهية العصفور، ومعنى قوس قزح، ومعنى غيمة، ولون أبيض للغيمة يظلل شجرة تفاح، وتفاحة وطعمها وكيف نشأت، وجاذبية نيوتن بسبب تفاحة سقطت، وتجاوز انشتاين لنيوتن بنسبيته، وإقرار كارل بوبر بأن النسبية علميتها تأتي في كونها تحتمل النقد، وليس لحتميتها ويقينيتها، وفهم معنى الحياة.

امتلاك الدهشة في السؤال؛ يعني امتلاك المعرفة، فلنسأل ولا نتردد.