الرقة بوست ـ عروة المهاوش

يتفرس الوجوه جيداً، مدهوشاً وكأنه في لحظات غياب كامل عن الوعي الذي لا تستطيع مداركه تحملها بعد أن قضى اثنين وعشرين عاماً في سجون النظام، محاولاً التعرف عليها. خلال ثلاثة أيام مضت كان أغلب أقربائه وأطفالهم قد زاروه في بيته حين تنامى إلى سمعهم خبر خروجه من السجن، تلتقط عيناه بلحظة ما، لرجل كبير في السن يجلس قبالته، ذلك الإصبع الكبير في قدمه الذي خرج من الجورب محاولاً التنفس. تأخذه حالة جديدة من عدم إدراك المكان نحو السجن والفسحة التي كانت متنفساً وحيداً لهم، رغم أنها نوع جديد من العقاب الجماعي اخترعها السجانون، لكنها في الحقيقة ليست متنفساً بقدر ما هي التعرض لأشعة الشمس بعد أسابيع من البقاء في الأماكن المظلمة والرطبة، لكنه يحسد ذلك الأصبع فحتى هذه اللحظة لم يلحظه السجان ويضربه بذلك السوط على ظهره أو رأسه.

في وظيفته قبل التقرير الذي غيبه اثنين وعشرين عاماً في سجون حافظ الأسد. كان حريصاً جداً على المحافظة على هدوء أعصابه جيداً في التعامل مع الرفاق البعثيين معه في الوظيفة، وكان أكثر هدوءاً مع المتعاملين والمراجعين، وحين يتعرض لموجة غضب كانت تتراءى له صورة ولده الوحيد ذي الأشهر الأربعة مبتسماً لقدومه مساء إلى البيت، لكنه في ذلك اليوم خرج عن طوعه وضرب الطاولة التي يجلس إليها بكف يده، هذا كل ما فعله حينها طالباً من المراجعين الابتعاد عن الطاولة، وتنظيم دور لهم حتى يتسنى له التنفس على الأقل. قبل نهاية الدوام بقليل حضرت دورية من الأمن السياسي “هكذا تم التعريف” ودعوه لشرب فنجان قهوة مع “المعلم”، حين أراد وضع الأختام في صندوق الطاولة كانت الكثير من الأذرع تمتد إليه، وتسحبه من وراء طاولته وعيون زملائه ترقبه بين متحسرٍ على ما سيعانيه، وبين شامت بابتسامة خفيفة كأنها تقول له: أردنا منك مراراً أن تكون بعثياً لتحمي نفسك، للمرة الأولى يشعر أنه لا وزن له فهو خفيف كالريشة، بين كل تلك الأذرع كانت أقواها تلك التي حملته من أسفل ظهره لترميه بصندوق السيارة، والقدم التي كانت تضغط رأسه على أرضية السيارة أيضاً كانت قوية، دقائق وكانت عيونه مدماة وثيابه تتمزق تحت ركلات الأقدام قبل الوصول لشرب فنجان قهوتهم المزعوم، حين أدخلوه غرفة لكبيرهم كانت عيونه لا ترى شيئاً من الدماء، ضغطه وحش كاسر حتى لامس رأسه بلاط الغرفة حينها فقط سمع صوتاً جهورياً لم يسمعه من قبل يقول له: “ولاك راح أقطعلك ايدك اللي ضربت صورة السيد الرئيس تحت بللور الطاولة ولك هاد الرئيس يا ابن……، حملوه بإشارة من أصبعه ليصبح في عداد المفقودين حينها.

في اليوم الرابع للتهنئة بخروجه حياً من سجون الفقدان، قال للجميع: أتدرون، لن أحدثكم عمّا عانيته خلال هذه السنوات بكل بشاعتها وقسوتها فهي كلها لا تعادل لحظة كنت في السيارة متجهاً نحو قريتي وبيتي، أتدرون ما حدث لي حين رمتني سيارة الفرع في شوارع دمشق لم أتعرف على المدينة التي عشت فيها، ولم تتعرف عليّ أيضاً وجوه العابرين، كنت قريباً من الكراج الذي أذكره جيداً حين كنت أزور قريتي في أيام العطلات، اقترب مني أناس لا أعرفهم وبكلمات قليلة فهموا قصتي حين أخبرتهم أني سجين وخرجت اليوم، أيادٍ امتدت بجيبي وضعت بعض النقود، وتقدم شخص آخر وأمسكني من يدي فمشيت معه دون سؤال، سألني من أي قرية أنت فأجبته، أوصلني إلى  سيارة أجرة وأعطى السائق مبلغاً من المال وأوصاه خيراً بي، قبل الانطلاق أحضر لي السائق سندويشة فلافل لم أذق بطيبها منذ سنوات، يتفرس السائق بوجهي من خلال المرآة التي بمنتصف بللور سيارته حتى خرجنا من مركز المدينة حينها أبطأ من سرعة السيارة سألني: من أنت!! وإلى من أنت ذاهب ومن تعرف في القرية!!

أجبت ذاهب إلى قريتي وأهلي فأجاب: أنا من تلك القرية وكلنا نعرف بعضنا جيداً، ونعرف أطفال البعض والولادات الجديدة والأموات حتى نعرفهم فقلت: أنا ذاهب إلى بيت “فلان” حينها ضغط بكل قوته على المكابح ونزل من السيارة متجهاً إلي ممسكاً بياقة قميصي حتى كاد أن يخنقني بها وهو يصيح: من أين تعرفهم ومن أنت وما قصتك؟ أنت تقصد الذهاب إلى بيتي وأهلي وأنا صاحب البيت الذي ذكرته، حينها قلت له ضمني بكل قوتك ولدي أنت أحمد وأنا أبوك الذي ذهب لشرب فنجان قهوة عند المعلم منذ اثنين وعشرين عاماً مضت.

هذه الصدمة “الفرحة” أنستني قهر وعذاب سنوات السجن كلها التي قضيتها في سجون حافظ الأسد.