الرقة بوست ـ يوسف دعيس

إن خروج مظاهرات مؤيدة لقوات سورية الديمقراطية في مدينة الرقة، ومناهضة لنظام دمشق، لا يعني بالضرورة أن أهل الرقة قد استكانوا وقبلوا بواقع الحال الذي تفرضه قوى الأمر الواقع، حتى إن رفعوا شعارات داعية لأخوّة الشعوب، والديمقراطية، وحماية المرأة، ونصبوا تماثيل لأوجلان راعي الدولة العابرة للحدود، ووضعوا صوره على كل ناصية شارع وفي قلب كل ساحة من ساحات المدينة المدمرة بكل ما تحمل كلمة التدمير من معان مأساوية ودموية، فواقع الحال يقول إن هناك مفاوضات جارية ومستمرة بين طرفي النظام وقسد، إن كانت تحت الطاولة أو فوقها، ووجود قوات النظام وأعلامه المرفوعة برمزيتها فوق مبانٍ عدة ووسط ساحات وشوارع مدن الحسكة والقامشلي ورأس العين ومنبج تؤكد أنهما وجهان لعملة واحدة، ووجود خلافات بينهما لا يعني القطيعة النهائية بينهما، وأن خلافهما هو خلاف مرحلي، ينحصر في شكل كيان الدولة القادم، بين دولة موحدة مركزية يدعو إليها النظام، وبين دولة فيدرالية، تتمثل بدايتها بإنشاء كيان فيدرالي في الشمال السوري يدعو إليه حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تشكل قوات البيدا ذراعه العسكري الضاربة المدعومة من قوات التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وأعتقد أن سقف الطموحات لا يذهب بعيداً ضمن ما تحدده أمداء طموحات الطرفين وأهدافهما البعيدة والقريبة، ومدى ما يتمتع به الطرفان من قوة عسكرية منظمة تفرض نفسها على أرض الواقع.

يدرك أهل الرقة مرامي وأهداف الطرفين، خصوصاً أهلها المتواجدين خارج سوريا وفي مناطق سيطرة النظام، وفي المقابل يذهب قلّة قليلة منهم إلى أن الطرفين يكملان بعضهما الآخر، وما يجري من أحداث على الأرض ما هو إلا مجرد مسرحية، أبطالها يحاولون اقتسام الكعكة، وهم يؤدون وظائف مشتركة، الهدف منها تقاسم النفوذ، وتحقيق مكاسب على حساب دماء الضحايا من المدنيين العزل، لذلك حرص الكثير منهم على الانضواء تحت لواء قوات سورية الديمقراطية، إن كان عن طريق الانخراط في صفوف هذه القوات كمقاتلين عسكريين، أو على شكل كيانات عشائرية أبرز قادتها من الصف الثاني والثالث، بينما ظل القسم الأكبر من أهل الرقة الذين آثروا البقاء تحت راية قوى الأمر الواقع، محكومين بقوة السلاح، وخروجهم في هذه المسيرات المنظمة لا يعني بالضرورة هو جزء من تعبيرات القبول والإذعان، بل جاء على خلفية تمسكهم ببيوتهم وإن كانت مدمرة، بدلاً من حياة الذل في مخيمات النزوح، أو اللجوء في دول الجوار.

قبل مظاهرات ومسيرات الرقة، كانت قد خرجت مثلها في الطبقة ومنبج، وأقيمت أفراح في الجرنية والهيشة، وقبلها أيام كان النظام على سروج خيله، خرجت مسيرات كبيرة مؤيدة واحتفالات بأيام يخترعونها وفق أمزجتهم المريضة، وهي في مجملها لم تحقق ديمومة واستمرارية وهناء عيش للظالم والمتنفذين والفاسدين الذين لا يريدون الخير لبلادهم، ومع أول إشارة تنطلق من حناجر الأحرار، ستنقلب الطاولة على الظالمين، وعلى كل من يتشبه بهم.

أهل الرقة، اليوم هم أحوج ما يكون لمشروع وطني جامع، يتناسون فيه كل خلافاتهم ونزاعاتهم، ويضعوا نصب أعينهم وحدة بلدهم في خيار وطني، يؤسس لكيانات العدل والمساواة والديمقراطية، وبالضرورة لا يقبل القسمة على اثنين، ولا يأتي على حساب دماء الضحايا، وحجم التدمير الشامل، الذي تعرضت له الرقة، رغم صعوبة ما يجري على الأرض.