غسان المفلح 

تغزو وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، ديباجات و”لغونات” متعدّدة المشارب! متوحّدة العدو: الشعب السوري. في خلفية المشهد وأمامه قرار دولي متعدّد المصالح، متلاقٍ على مصلحة واحدة، تأهيل الجريمة. المجرم لا يؤهّل سوى جريمة. قرار دولي يعرف ولديه كافّة الوقائع للمعطيات التالية:

الأسد نظام فاسد. ونظام ارتكب جرائم ضد الإنسانية على أعلى طراز. هذا موثّق لدى كل الدول الفاعلة في الملفّ السوري، وغير الفاعلة أيضاً.
الأسد نسف أبسط المبادئ التي تقوم عليها شرعة حقوق الإنسان. هذا موثّق بالصوت والصورة والوثيقة، لدى صنّاع القرار ولدى كل المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية المعنية بحقوق الإنسان. لديهم كامل الوثائق عن جرائم الكيماوي.
الأسد نظام إرهابي، ودعم ويدعم الإرهاب. نظام الأسد طائفي باعتراف الغرب غطائه، والشرق حلفائه. الدول كلها تعرف أن تهجير وهروب ملايين السوريين كان جرّاء همجية وحرب هذا النظام على الشعب السوري، ولم يهربوا من داعش أو من جبهة النصرة.
هذا القرار الدولي يعي أن القاعدة وتفرّعاتها في سورية هي مجرّد احتلال للثورة السورية للمساهمة في وأدها.
هنالك إجماع أنه لولا إيران وميليشياتها الإرهابية والمصنّفة كذلك، ولولا الروس لكان الأسد ساقطاً. الانتقال من جمهورية الخوف إلى جمهورية الرعب، هذا المغزى من تأهيل الجريمة، كدرس أبدي للشعوب في المنطقة.
تقارير الأمم المتحدة تشير إلى مئات ألوف الضحايا وموثّق لديها أن أكثر من 94%  من الضحايا هم بسبب قوات الأسد وحلفائها. أخيراً وليس آخراً: يعرفون بالتفصيل المملّ والشديد، كل شيء عن هذا النظام. هذا من جهة النظام، أمّا من جهة المعارضة، فما حصل لها هو تفصيل من تفاصيل هذا القرار الأممي. هذا القرار اتُّخذ في مرحلة أوباما. كان هنالك أطراف في المعارضة تعي هذا الأمر، لكن القرار الدولي كان كاسحاً. المعارضة السورية، لم تتعرّض للنقد فقط، بل تمّ الدخول شتماً ونقداً إلى تفاصيل حياة كل معارض فيها فضحاً. على هذه الخلفية المختصرة جداً نجد:
ملاحقة السوري على كل تفصيل، ليس من أجل تصحيح المسار كما يُقال، بل من أجل هدمه على رؤوس أصحابه من السوريين. وصلت إلى حدّ كتابة تقارير يومية على الفيسبوك ووسائل الإعلام، أن السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا: إرهابيون. يطالب هؤلاء بإعادتهم إلى الخِيَم في تركيا ولبنان والأردن. هذه الكتابة التي تدّعي العلمانية والموضوعية تندرج في سياق ترامبي واضح، وقبله في سياق عداء أوباما البيّن للشعب السوري وتطلّعاته.
يتمختر او تتمختر بثقافة جوفاء مبنية على عدة شتائم للإسلام والشريعة الإسلامية، تتكرّر في كل مادة أو بوست فيسبوكي. هو أو هي يفهموا العلمانية فقط اندراج بالموضة وتوسّد مرضاة الأوروبي الأبيض أو اليانكي. علمانية التدليس والنفاق. الخبير بالتدليس منهم يشتم النظام كم شتيمة في مطوّلاته. الأطرف في الموضوع هو اليافطة المرفوعة: إن الأوروبي أو الأمريكي وحتى الروسي والإيراني بريء من دم السوري. الغربي هو ضحية لا يتدخّل في الشأن السوري!! هل بقيت دولة أوروبية أو غربية لم تتدخّل في الشأن السوري؟
بعض شرعيّي وشرعيّات هذه العلمانية المزيّفة، الذي أو التي لم تساهم في حياتها ولو بكلمة واحدة تخدم الحرّية في سورية. بسبب هذه الثورة، وهذه الثورة فقط. بيّضوا تاريخهم!!
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تغزو أيضاً، وسائل التواصل موضة أن المسلمين في بلدان العرب، والعرب معهم، هم محتلّون وغزاة ويجب أن يتمّ استئصالهم، أو عودتهم للجزيرة. كل هذا لأن السوري طالب بحرّيته. في فاشية واضحة لا تحتاج إلى دليل حيث هي موزّعة في مفردات واضحة الدلالة. عدا عن الفَيْنَقة والمَسْحَنة، رديفة الدعشنة.
مجتمع عاش تحت ظل الأسدية خمسين عاماً، لا يأتون على ذكرها. الأسدية التي عرفناه أعلاه.
الغرب يمسح بكم جريمته بحقّ شعبنا. أنتم لستم أكثر من ممسحة  للدّم على يديه. تماماً كما الإسلام السياسي مِشْجب للجريمة ولا يتعلّم. الحرّية وثقافتها ليست حكراً على أي بشري. إنها مُنتَج دفعت وتدفع البشرية كلها ثمنه. كيف تدّعي أنك مع حقّ المِثْليّ، ولا ترى أن المسلم مختلف؟  لو كان كل المسلمين إسلاماً سياسياً مثلاً، لرأيت كل السلطات العربية إسلاماً سياسياً.
سلطات تذبح بدون حياء. الإسلام السياسي هذا مُنتَجها ومُنتَج الغرب الذي يغطّي جريمتها.
تصحير إفريقيا التي لم تكن مسلمة، يشبه تصحير سورية على يد الأسد وحلفائه. فنزويلا على حائط أمريكا، وأغنى دولة نفطية وشعبها كله مسيحيّ ولا يجد ما يأكله، وإسبانيا وأمريكا تستثمر في هذا. دول أمريكا اللاتينية الآن بدأت تصحو وتخرج من جمهوريّات الموز! وهل خرجت؟ لم يكن شعبها مسلماً.
الإسلام السياسي عندما نكتب عنه، ونرفضه نرفضه ليس فقط لأنه يستند إلى ثقافة ماضوية، بل لأنه مُنتَج معاصر أيضاً، مُنتَج معاصر لوضع دولي فيه تراتبية السيطرة والهيمنة الكلبيّة. هذا المُنتَج مثله مثل مُنتَج الفاشيات والديكتاتوريات المجرمة، خامنئي والأسدية والسيسية وغيرها.
لا أنتقده لأنني علماني أو ملحد، بل أنتقده لأنه مُنتَج ديكتاتوري أيضاً. رفضي هذا لا يجعلني أرفض المسلم المختلف. المسلم حرّ طالما أنه لا يمارس العنف من أجل قناعاته.
نقطة أخرى، يخرج من يشتم المعارضة لأنها لم توثّق، أو لأنها تابعة لهذه الدولة أو تلك. الغرب لا يحتاج لتوثيق لأن الوثائق لديه كما قلت. لكن أن تكون معارضة تابعة لهذه الدولة أو تلك، يجب أن يُدان الأسد في ذلك. قبل أن تستخدم هذه اليافطة من أجل العداء للمجتمع السوري. أن يلجأ السوري لدولة أخرى لكي تحميه من هذا القتل، لا يُدان، بل يُدان من كان السبب. إنكم برغايث حول كرسي الأسد. المعارضة السورية تستحقّ كل ما يُقال عنها، لأنها لم تستطع التقاط اللحظة السياسية من جهة، وبقيت مستمرّة في مهزلة جنيف وأستانا وسوتشي، والشمس تشرق من موسكو أو من أنقرة أو طهران أو الرياض. لكنها بالمقابل لم تلجأ لهذا لأنها تتحمّل المسؤولية، بل من يتحمّلها نظام هو السبب، من هجّر نصف الشعب السوري وجعله في خِيَم في لبنان والأردن وتركيا، هو السبب.
هذا الشعب السوري الذي ثار على الأسد ودفع ما دفع من أجل حرّيته، يجب أن يكون تاجاً على رؤوسنا جميعاً. نعرف كيف نخاطبه وكيف ندافع عنه أمام هذا التزوير الذي لم يشهد التاريخ مثيلاً له، فقط لكونه طالب بحرّيته.
بقي نقطة أخيرة” منشان” الشباب والشابات يفهموا علينا: بدل أن تركّز شديد التركيز على خلع الحجاب، كعنوان للتحرّر، حاول أن تعمل من أجل تعليم المرأة وإنجاز قاعدة مادّية وقانونية لحرّيتها، في أن تتحجّب أو لا. عندما تتحجّب امرأة حرّة ومتعلّمة وسيّدة نفسها، معنى ذلك أنها لا تريدك أن ترى شَعرها، وهي حرّة في ذلك. دافع عن المرأة التي يُفرَض عليها أي نوع من اللباس أو أية قضية أخرى، لا أن تشتمها وتعتبرها عدوّة لحرّيتك في أن ترى شعرها.  عذراً لهذه اللغة، من حقّ المرأة أن ترتدي ما تشاء. هذا يجب أن يكون القاعدة التي يجب العمل عليها؟ الأسد قاتلنا والأسد سبب لما حلّ بالشعب السوري، هذا هو العنوان وما تبقّى هو تغطية لهذه الجريمة ومساهمة بها.

كاتب وناشط سياسي مقيم في سويسرا