الرئيسية / بعيدا عن السياسة / الإدارة من التوريث إلى العلم

الإدارة من التوريث إلى العلم

د.عبدالقادر العلي 

في عام ١٨٨٥ كان المهندس فريدريك تايلر مسافراً من مدينة أمريكية إلى أخرى. توقف القطار في إحدى المحطات بجانب ورشة عمل لتمديد سكة موازية، لفت انتباهه فارق العمر بين العاملين، ابتداءً بسن الطفولة وانتهاءً بسن الشيخوخة. لم يكمل سفره إنما ذهب مباشرة إلى مقر إدارة العمل وطلب لقاء المدير. بعد نقاش مع المدير حول الإنتاجية والربح والخسارة وأمور أخرى بخصوص التنظيم الجذري والكلي للعمل يمكن أن تعود بفوائد كبيرة على الشركة، ترك عنوانه ثم غادر إلى وجهته. لم يتأخر رد الشركة على اقتراحه، قدم فريدريك تايلر لإدارة الشركة رؤيته لإعادة التنظيم على أساس علمي ومدروس عوضاً عن الفوضى السائدة.

تضمن برنامجه التركيز على القوة والاستمرارية خلال ساعات العمل. طلب من كل عامل نقل طنين من الفحم مسافة معينة خلال زمن معين، استطاع عدد قليل من العاملين نقل كمية الفحم ضمن معيار الوقت والمسافة. أعاد فريدريك تايلر الطلب ممن استطاع نقل الكمية أن ينقلوه، ولكن خلال زمن أقل، هنا أيضاً نقص عدد العاملين، واستمر على هذا المنوال يقلل المدة الزمنية إلى أن بقي عامل واحد استطاع نقل كمية الفحم في آخر مدة زمنية حددها لهم، واعتبر هذه المدة هي المعيار اللازم لقبول أي عامل في مجال نقل الفحم، واعتبار هذا الأسلوب يمكن تطبيقه في جميع أنواع الأعمال إلى جانب بعض الأمور التنظيمية الأخرى، كدفع أجر مضاعف لكل عامل ينجح في اختبارات تحمل الجهد المبذول خلال ساعات العمل.

بعد تطبيق تجربة فريدريك تايلر هذه تم التخلي عن أعداد كبيرة من العاملين ممن هم في سن صغيرة لم تتحمل هذا الإجهاد، وكذلك كبار السن، لكن بالمقابل زادت أجرة العاملين الأقوياء، وما إن تعمم أسلوب تايلور حتى عمّت المظاهرات المدن الكبرى في أمريكا نتيجة زيادة أعداد العمال المسرحين من مختلف المهن، وازدادت الصدامات بين أرباب العمل والعمال المسرحين بالملايين، لكن في النهاية سادت أفكار تايلور.

في ذلك العام اجتمع فريديك تايلر، وبعض زملائه ليحتفلوا لأول مرة في التاريخ بمناسبة تحوّل الإدارة من وراثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء إلى علم وحسابات علمية، تخضع لها جميع الأعمال الإدارية والتنظيمية المتمثلة في الأسس الأربعة التي وضعها فريدريك تايلور ليتبناها كل مدير وهي:

التخطيط – التنظيم – التوجيه – الرقابة

تطورت النظريات والمدارس الإدارية على يد علماء كثر من خلال التوسع في الأبحاث العلمية، وبالاستعانة بنظريات علم الاجتماع وعلم النفس حتى وصلت علوم الإدارة إلى ما وصلت إليه اليوم من أهمية على مستوى العالم.

بالطبع اختلف العلماء حول ما إذا كانت الإدارة علم كباقي العلوم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، إنما اعتبروها مجالاً واسعاً للأبحاث العلمية لمختلف العلوم، لأن تعريف العلم كما هو معلوم أن النتائج التي نحصل عليها نتيجة إدخال مدخلات محددة يجب أن تعطينا مخرجات محددة بغض النظر عن الزمان والمكان، كأن نقول: ١+١= ٢

ولكن هذا الأمر لم يحدث في الإدارة، فزيادة أجر العاملين بنسبة ٥٪ قد لا يحقق نفس الدرجة من الرضا لدى جميع العاملين في الشركة الواحدة.

الحرمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »