الرئيسية / كتاب الموقع / سوتشي … بيت الطاعة!

سوتشي … بيت الطاعة!

أمجد آل فخري

” سوتشي “.. الذي يبدو أنه سيذهب مع الريح التي تعصف بالقضيّة السوريّة اليوم.. دفعت لافروف لتهديد المعارضة الرافضة له “بتربيتها من جانب من يتحكّم بها”، وبالتالي يؤكّد حقيقة أن المعارضة تحظى برعاية خارجية بلا اعتراف داخلي، وأن الثورة التي يستمرّ الروس-والعالم- بذبحها منذ سبع سنوات غاب تمثيلها لغياب قيادتها. وما “سوتشي” سوى إعادة السوريّين إلى “بيت الطاعة” الذي رفضوا المساكنة فيه تحت سقف واحد مع نظام دمّر البيت وقتل وشرّد وهجّر نصف الشعب السوريّ، ونثرهم تحت كلّ سماء في المعمورة.

إن الإصرار الروسيّ على عقد مؤتمر “سوتشي” يشي بحقيقة أنهم لا يريدون تحمّل المزيد من مشاقّ الرحلة السوريّة التي مازالت مصاعبهم فيها في بداياتها- الهجوم بطائرات بدون طيّار على قاعدتي طرطوس وحميميم، والتصدّع المحتمل للتفاهمات مع تركيا وإيران، بالإضافة للضغط الأمريكي- هذا من جهة، ومن جهة أخرى، حرصهم أن يسود مفهومهم للانتقال السياسي الذي يناقض ما كرّسته قرارات مجلس الأمن وخاصّة 2254.. والمؤتمرات واللقاءات الدولية التي لا عدّ لها ولا حصر، ممّا نُوقشت فيها القضيّة السوريّة.

ربّما ليس ما أغرى الروس تقاعس الأمريكان أو انفرادهم بسورية بموافقتهم وحسب، بل أكثر من ذلك انهيار القناعة في الخارج بالمعارضة السوريّة بعد التحوّلات التي ما زالت فصولها مستمرّة في القضية السوريّة، يُضاف إليها الإلحاح على سرعة قبض مستندات استثمار الإنجاز العسكري وتحويله إلى وجبة سياسية طال العمل على طبخها وإنضاج كافة مكوّناتها عبر مؤتمرات سياسية دولية مسبوقة أو متبوعة بمجازر رهيبة ودمار قلّ نظيره؛ لحسابات كثيرة روسيّة داخليّة-انتخابات الرئاسة- وإقليمية ودوليّة، وهو ما تطلّب من الروس إعادة صياغة تحالفات جديدة وتفاهمات إقليمية ربّما لن تستمرّ طويلاً؛ لهشاشتها واعتمادها الشكلانية اللفظية والديماغوجيا الإعلامية الخالية من الفعل والأثر المجدي على أرض الواقع، إذ يُراد لها أن تكون رسائل لجميع القوى الشريكة لهم أو المشاركة في الصراع، توحي بأن إنجاز المتطلّبات الشرعية لـ”بيت الطاعة” أضحت في متناول الوصي الروسي الذي يستطيع جلب المعارضة بكل أطيافها الحقيقية والمصنّعة أو المصطنَعة، والواقعية والوهمية أو المتوهّمة إلى طاولة المفاوضات التي يحدّد أبعادها وشكلها وعدد الضيوف بل أسماءهم، وأنواع الحساء وأصناف أطباق الطعام في كل وجبة.

ولكي يحضر الجميع، ثمة توافق ضمني روسي-أمريكي وصمت أوروبي يبارك قصم روسيا وحلفائها ظهر القوى العسكرية وتحجيمها وتدجينها بحجّة محاربة الإرهاب والتطرّف، وتواطؤ أممي على لسان دي مستورا الذي حثّ المعارضة السياسية على رفع الراية البيضاء بالتهديد بانتقال المفاوضات إلى سوتشي بعد خسارتها الدعم الدولي والإقليمي.

“بيت الطاعة” الروسيّ يُراد له أن يضمّ الجميع، فلا جنيف بغير سوتشي، ولا قرارات دولية تدفع بالقضية السوريّة نحو النهايات السعيدة إلا بسوتشي، ولا مشاريعَ للآخرين ترى النور سوى بمباركة سوتشي.. وبذلك يمتلك القرار السوري من الباب إلى المحراب؛ فالمعارضة تدخل صاغرة تنفّذ مشيئة بوتين وحلفائه، وبتأهيله النظام يكون الوصيّ الشرعيّ على قاصر يقايض به وقت يشاء، ويستبدله بأقلّ قصوراً إن شاء.

لكن.. هل يمكّنه السوريّون من رقابهم، على الرغم من محاولات تذريرهم عبر منصّات يجهد أن تكون عينه ولسانه، ورهنهم أكثر بخيارات غيرهم ومصالحهم؟  وإن تمّ له ذلك، فهل ينساق الأمريكان لرغائب بوتين، فيرتضون لأنفسهم ما أرادوا تحقيقه بأيادي غضّوا الطرف عمّا تفعل؟ وإن حصل، أليس للإيرانيين رأي آخر، إذ لا بديلَ عن النظام المرهون لهم، ولا مناصَ من أن تكون لهم كلمتهم في المنطقة التي يتباهون باحتلالهم قرار أربع عواصم دول فيها ” سورية ولبنان والعراق واليمن”؟ وإن وقع، فكيف سيرضي الأتراك ويبدّد مخاوفهم، فيبعد شبح الأكراد عن صحوهم ومنامهم؟ وإن تحقّق، فهل سيطمئنّ نتنياهو إسرائيل؟

” بيت الطاعة ” المطلوب لن يكون مادام السوريّون الذين اكتوَوا بلهيب سبع سنوات هم القاضي الشرعيّ الذي صدر عنه الحُكم مبرماً، لا رجعةَ فيه، يرفض الامتثال، وهو يعرف ثمن هذا الرفض.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »