أمجد آل فخري

“أقلّ من حرب وأكثر من مواجهة” تلخّص مجريات أمور كثيرة جرت وتجري على الساحة السورية المفتوحة للصراع الإقليمي والدولي، بل هي ذاتها لعبة عضّ الأصابع في الحلبة؛ لدفع أحد المتخاصمين الآخر للتسليم بنهاية جولة، والانتقال إلى مربّع جديد.

كان نتنياهو خصماً لدوداً لسياسة أوباما تجاه إيران وملفّها النووي، حيث استطاع الأخير لجمه عن ضرب البنية النووية الإيرانية كما فعلت إسرائيل بضربها مفاعل العراق قبل ذلك، ولكن أوباما كان يرى أن الحصار الاقتصادي والعقوبات ستؤدّي إلى نهاية البرنامج الإيراني، بالتحجيم ووضعه تحت المراقبة الدولية دون الحاجة إلى فتح حرب ليست معروفة النتائج والارتدادات، وفي الوقت نفسه تكون إسرائيل خطّاً أحمر لا يمكن تجاوز إرادته وسلامته وضمان مستقبله. وبدلاً من أن تنكفئ إيران للداخل راحت تمدّ أذرعها في المنطقة كاملة، وتطوّر برامجها العسكرية، وخاصّة الصاروخية.

غضّت أمريكا أوباما الطرف عمّا تقوم به إيران في المنطقة كُرمى لعيون عقد الاتفاق النووي الذي عُدّ إنجازاً عبقرياً، يستطيع الغرب وإسرائيل استثماره، وبذلك يكون عملية تقليمٍ للأظافر لا قلعها انتظاراً لمتغيّرات داخلية إيرانية ربّما. ولكن إيران لن تنتظر وصولها نقطة النهاية بعد جعلها هدفاً أوّل في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، إذ أعلن تيلرسون إرادة واشنطن استخدام وجودها العسكري في سورية لإضعاف النفوذ الإيراني، والتأثير في العملية السياسية في مرحلة ما بعد الأسد، من خلال وضع دستور جديد وإجراء انتخابات وفق المعايير الدولية.
لكن المسرح السوري اللامعقول، جعل بطولة الطائرات، تدفع الصراع إلى ذروة التأزيم، ثم تنحدر به ليتصاعد مرّة أخرى مُرهصاً بأحداث على الأرض تشي بتوافقات أو اتّفاقات منها الضمنيّ ومنها السرّي أو المُعلن..  فإسقاط قاذفة روسية في ريف إدلب الأسبوع الماضي، دفع الروس لإحراق الأخضر واليابس، وتوجيه الاتهامات للأتراك حيناً والأمريكان حيناً والفصائل المعارضة حيناً آخر، بل جرّأ النظام على استخدام السلاح الكيماوي في سراقب، وكذلك الأمر في مهاجمة قاعدة حميميم بمجموعة طائرات صغيرة مسيّرة، ليأتي إسقاط مروحية تركية قرب عفرين ليشعل الاتّهامات مرة للنظام وأخرى للإيرانيّين والروس والأمريكان، ولكن الطائرة التي حرفت الصراع من قبل في الشمال السوري، وأوصلته إلى حافة الهاوية تلك القاذفة الروسية التي أسقطتها تركية، ليكون بعدها شهر العسل والتوافق بينهما في أغلب سياساتهما تجاه سورية.

أمّا الطائرة التي سيكون لها الشأن في رسم خارطة الصراع في الجنوب السوري، فهي إسقاط صاروخ- اختُلف في قدرته وفاعليّته – انطلق من أراضٍ سورية طائرة «إف – 16» إسرائيلية، بعد أن أسقط الإسرائيليون طائرة «درون» إيرانية فوق الجولان، لتقوم بعدها إسرائيل بتدمير 12 موقعاً عسكرياً حول دمشق للنظام وإيران، علماً أنه لم يكن ممكناً للمضادات الجوية أن تنطلق دون علم قاعدة حميميم، ولم يكن للطيران الإسرائيلي الإغارة دون علم قاعدة حميميم. ناهيك عن السؤال: هل الصاروخ روسيّ أم سوريّ؟

وما أشبه هذا الحدث في الجنوب بسابقه في شرق الفرات، إذ قصف طيران التحالف مجموعات من ميليشيات النظام وإيران، فحصد منهم أكثر من 100قتيل، وقد حدث ذلك بالتنسيق مع الروس بالتأكيد، لأن موسكو أخذت لنفسها دور شرطيّ المرور في أجواء اللامعقول السوري. وهذا ما يوحي بأن ما حدث لعبة روسيّة ردّاً على التحرّك الأمريكي من جهة، وردّ اعتبار لإسقاط الطائرة الروسيّة في إدلب من جهة أخرى.

يبدو أن روسيا تريد إثبات ما عجزت عنه في مؤتمر سوتشي، بأنها صاحبة الحلّ والعقد في الملفّ السوري في جهات سورية الأصلية والفرعية بأطرافها المتناقضة والمختلفة والمتصارعة داخلياً وإقليمياً ودولياً، وهو ما تفاهمت عليه مع النظام وإسرائيل وتركيا، وما لا تريده واشنطن، وطرح “اللاورقة” للدول الخمس دليل جليّ، بالإضافة إلى مساندتها لحقّ إسرائيل السيادي في الدفاع عن نفسها ضد التهديدات، ولا تحبّذه إيران التي دأبت منذ أشهر على التحرّش بإسرائيل عبر زيارة “الخزعلي” جنوب لبنان، وتصريح “رئيسي” من الجنوب أيضاً بأنهم اقتربوا من تحرير القدس، وصولاً إلى إسقاط الطائرة الإسرائيلية.

وفي الوقت الذي يعلن فيه نتنياهو بأنه لن يسمح لإيران بتثبيت وجودها في سورية، ولن يمكّنها من تحويل سورية إلى قاعدة عسكرية إيرانية على حدود دولته، وأن غاراته حقّقت نجاحاً مبهراً- قامت إسرائيل بأكثر من 1400غارة على سورية-، نجد حزب الله يعدّ الحادثة بداية إستراتيجية جديدة، ونظام دمشق يعبّر عن فرحته وانتصاره بإسقاط طائرة ف16، وبالمقابل فإن روسيا تدعو للتهدئة وضبط النفس وعدم المواجهة وتجنّب التصعيد، وعدم تعريض حياة الجنود الروس في سورية للخطر.

وعليه فإن جميع أطراف الصراع سيعودون إلى روسيا، إلا إن قرّر الأمريكان تغيير “قواعد الاشتباك” في سورية، وهنا سيدخل الجميع حفلة تدوير التفاهمات والتوافقات، وتغيير التحالفات مرحلياً، فخسارة الأطراف الأساسية في الوضع الجديد ستكون حتمية، وخاصة روسيا وإيران، ولذلك يضع الروس أنفسهم كنقطة توازن بين القوى المتناحرة والمصالح المتعارضة، لتحقّق انفرادها في الملفّ، وهو ما سيمنعه الأمريكان، وما ستلتفّ عليه إيران لقناعتها أن الجميع لا يريدونها حرباً مفتوحة لأن أثمانها باهظة بشرياً، ولذلك فإنها قرّرت منذ زمن أنها جاءت إلى سورية لتبقى، كما قالها الأمريكان. وعليه فإن التصعيد سيتمّ رويداً رويداً، بينما يقوم أبطال مسرح اللامعقول بتغيير المكياج أو ترميمه، وارتداء الملابس المناسبة، فالحفل  ليس سوى “أقل من حرب، وأكثر من مواجهة”.