الرئيسية / الرقة تحت المجهر / ما دَورُ الرقّة في الثورة السوريّة

ما دَورُ الرقّة في الثورة السوريّة

مريم عبابسة

ترجمة عن الفرنسية : محمد سليمان المدفع

في بداية الربيع العربي كانت الرقة من المدن السورية التي كان القتال فيها أقلّ حدّة ، وكان يسودها هدوء كبير جداً حتى تشرين الثاني ( نوفمبر )   2011

زارها بشار الأسد ليحتفل بعيد الأضحى وليضمن الهدوء فيها، وقد صرفت نقداً مبالغ بقيمة 20 مليون ليرة سورية ( 30000 يورو ) لشيوخ العشائر الخمس الأساسية بمن فيهم النواب .

وبعد صلاة العيد، أجبر النظام العشائر على تقديم الولاء له، ثم قدم النصح للعشائر المجاهرة بالثورة، وشيئاً فشيئاً تمّ تعيين زعماء عشائر على رأس وزارات مختلفة، وفي البرلمان هناك من 7% إلى 12% من الأعضاء من أبناء العشائر في عموم سورية .

حدثت انقسامات داخلية في المجتمع الرّقّي أدّت إلى دعم بعض العشائر للجيش السوري الحرّ، بينما شكّل بعضها ميليشيات خاصة أو كتائب. وهذا ما أضاف انقساماً بين جيلين، حيث كان لكبار السنّ مصلحة اقتصادية في مساندة النظام، أمّا أولادهم ،المستبعَدون من النمو الاقتصادي في بداية الألفية الثالثة، فقد انظمّوا إلى الجيش السوري الحرّ وإلى الكتائب السلفية .

في 4 آذار ( مارس ) 2013 ، تحرّرت المدينة من نظام دمشق على أيدي الجيش السوري الحرّ وجبهة تحرير الرقة التي أُنشِئت في كانون الأول ( ديسمبر ) 2012. نظّم سكان الرقة أنفسهم لتوزيع الخبز وجمع القمامة، ورُسمت أعلام الثورة على جدران المدينة، وأُعلنت الرقّة عاصمة للثورة، وكان الرقّيّون فخورين بذلك، كما يتّضح من صفحاتهم على الفيسبوك .

في نيسان ( أبريل ) 2013 ، أحد الوجهاء يذكّر بأن المدينة تمكّنت بالفعل من إدارة نفسها بنفسها بين آب ( اغسطس ) 1920 و كانون الأول ( ديسمبر ) 1921 ، تبعاً للمشروع العربي للأمير فيصل، وهو حدث لم يسبق له مثيل في الشرق الأوسط .

كيف نجحت الدولة الإسلامية ( داعش ) في التسلّل إلى المدينة ؟

في نيسان ( أبريل ) 2013 ، أُنشئ مجلس محلّي في الرقة ، كما في كل المدن المحرّرة، لكن عناصر الدولة الإسلامية تسلّلوا. في 14 أيار ( مايو ) 2013، أعدمت داعش ثلاثة مواطنين علويّين اتُّهِموا بالتجسّس، فقام سكان الرقّة بإصدار منشورات ضد الدولة الإسلامية، ودعوا الجيش السوري الحرّ إلى التدخّل.

خلال الصيف، فرضت داعش سيطرة كاملة على المدينة، وأخضعت جبهة النصرة لها، وفي 17 كانون الثاني ( يناير )2014، غادر الجيش السوري الحرّ الرقّة  باتّجاه ريف حلب الشرقي، وظهرت لافتات تعلن أن المدينة أصبحت من الآن فصاعداً عاصمة للدولة الإسلامية في العراق والشام. في تشرين الثاني ( نوفمبر ) ، أعلن أربعة عشر من شيوخ العشائر في منطقة الفرات مبايعتهم للدولة الإسلامية، ورغم ذلك بقي المجتمع المدني الرقّي مستنفراً؛ وفتحت المدارس خفية لاستقبال الفتيات، وبيعت النساء الإيزيديات كالعبيد من قِبَل الدولة الإسلامية، واشتراهنّ الناس لحمايتهنّ، وتمّ تهريبهنّ خارج مناطق سيطرة داعش، وتعرّض البعض لمخاطر بالغة لفضح الجرائم المرتكبة من قِبل داعش، والجدير بالذكر على ما أظن مجموعة ” الرقة تذبح بصمت”

لماذا اختارت داعش الرقّة كعاصمة ؟

الأسباب كثيرة، أوّلها تكتيكي، نظراً لصغر حجمها ووجود حامية عسكرية وحيدة فيها، والسبب الثاني رمزي، كون المدينة كانت عاصمة الخلافة العباسية في عهد هارون الرشيد، فالرقة تحتلّ مكاناً بالغ الأهمية في التاريخ العربي، لاعتبارها أول مدينة أطلق عليها مصطلح ” عاصمة ” ، حسب المؤرخ الطبري. ويمكننا أن نفكّر بتفسير ديني، بأن تمكّنت داعش من التصدي لتسلّل إيران في سورية، واستعادت المدينة التي بُني فيها مقامٌ شيعيٌّ في عام 1994 على أضرحة صحابة للنبي محمد، قضوا في معركة صفّين عام 657 ، وقد فجّرته داعش بالديناميت منذ دخولها إلى المدينة .

حسب الأمم المتحدة، فإن 20000 مدني تقطّعت بهم السُّبل في الرقّة وأخذتهم داعش دروعاً بشريّة في المدينة، وزرعت الشوارع بالألغام المضادة للأفراد، فتمكّن المهرّبون من إيصالهم إلى شمال المدينة ومن ثم إلى مخيم للّاجئين في عين عيسى. ويمكن القول أن سكان الرقة يعيشون اليوم في جحيم.

باحثة فرنسيّة في المعهد الفرنسيّ لدراسات الشرق الأدنى في عمّان

المصدر: اللوموند الفرنسية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »