مقاتلون في تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" يلقزن مواطن في الهوتة - أرشيفية
علي حمد

الرقة التي توقّع جاري اللبناني أنها في الجولان، عندما سألني عام 1998 “من أي مدينة في سورية أنت”؟ هي نفسها التي فشل أستاذ سوري للأدب الإنكليزي في جامعة دمشق في معرفة مكانها. لكن الرقة  دخلت التاريخ والجغرافيا والإعلام العالمي من أوسع الأبواب عندما سيطر تنظيم “داعش” عليها، بعد أشهر قليلة مما اعتُقد بأنه تحرير في 6 مارس/آذار 2013، وذلك قبل خروجه من المدنية والحياة في صيف 2017، تاركاً إياها مدمّرة وخالية من سكانها. في العادة، وفي أزمنة السلم الغابرة، كان ضيوف الرقة “يبكون خشية مما ينتظرهم فيها”، وعندما يغادرون “يبكون فراقها”. أما في زمن الحرب القائمة فالبكاء شمل أهل الرقة والنازحين إليها، على حد سواء، مشتركين في ذلك مع معظم السوريين، من دون الضيوف من حملة السلاح العابرين في الوقت الضائع من حياة السوريين.

بين التاريخين، ربيع 2013، وصيف 2017، عاشت الرقة أربع سنوات متفردة تحت حكم تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، حين دخلها التنظيم بهذا الاسم المرادف للاختصار داعش. وعلى الرغم من تحوّل الاسم إلى “الدولة الإسلامية”، ظل الاختصار “داعش” ملازماً وأساسياً، غير أن الناس في الرقة استخدموا، وما زالوا، مصطلح “الدولة”، من باب العادة والخوف والتقية. وخلال أربع سنوات، صنع المحتلون الجدد وسائل رعبهم، من السجون والمعتقلات، ونظام الحسبة في الحياة العامة، إلى نهب الآثار وتسهيل مهام المنقبين الأميين عنها، إلى التسلط وقوة الجبر المستندة إلى تفسير خاص وسلفي ومتشدد للشريعة الإسلامية.

خلال تلك السنوات، ترسخت ثلاث مآس في الرقة لا تشبه مآسي المدن السورية الأخرى، هي “الهوتة”، والمغيبون قسرياً على يد “داعش”، وخطف الأب باولو دالوليو، الفرد المسيحي السوري الإيطالي، الذي آمن بقدرات الشعب السوري وحقه في الحرية والكرامة، بل حقه في استخدام العنف ضد نظام الأسد لاستخلاص حقوقه المسلوبة. صحيح أن الهوتة ليست من إبداع “داعش”، والتنظيم ليس أول من استخدمها كقبر مفتوح، لكنه أفرط في استخدامها. كما أن خطف الصحفيين وطلب فدية لإطلاق سراحهم ليس جديداً، لكن التنظيم عرض أفلاماً لقطع رؤوس صحافيين أجانب وسوريين، باستخدام مهارات محترفة في الإخراج والمونتاج والمؤثرات البصرية، توَّجها بالعرض المرعب لحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة في الأيام الأولى من عام 2015.

الأب باولو

كتب الأب باولو دالوليو آخر بوست على صفحته على موقع “فيسبوك” في 27 يوليو/ تموز 2013، قال فيه: “أصدقائي الأعزّاء، جئت إلى مدينة الرقة وأنا أشعر بالسعادة لسببين، أولهما أنني على أرض سورية الوطن وفي مدينة محررة. والسبب الثاني الاستقبال الرائع من قبل هذه المدينة الجميلة. عشتُ أمسية رمضانية من أحلى ما يكون والناس في الشوارع بحريّة ووئام. إنها صورة للوطن الذي نريده لكل السوريين. طبعاً لا يوجد شيء كامل، لكن الانطلاق جيد. إدعوا لي بالتوفيق من أجل المهمة التي جئت من أجلها. إن الثورة ليست توقّعات بل التزاما! السلام عليكم، وشهر رمضان كريم علينا أجمعين”.

 وصل الأب باولو إلى الرقة يوم الجمعة 26 يوليو/تموز 2013، واختفى في المقر الرئيس لـ”داعش” في قصر المحافظة منذ 29 من الشهر نفسه، موصياً أصدقاءه في الرقة بعدم نشر أي خبر عنه قبل مضي ثلاثة أيام على اختفائه. عاش الراهب اليسوعي باولو ما يقارب 30 عاماً في دير مار موسى الحبشي (بُني في القرن السادس الميلادي) قرب مدينة النبك في ريف دمشق، حتى أصبح سورياً، وأبعده النظام السوري خارج سورية بالتواطؤ مع كنيسة الروم الكاثوليك في يونيو/حزيران 2012. وعندما سيطرت فصائل معارضة على الرقة، دخل إلى المدينة عبر معبر تل أبيض من تركيا.
وقتها كان “داعش” تقدم في استعداداته لتجاوز الشراكة في حكم المدينة مع فصائل معارضة أخرى، أغلبها إسلامي، ومن بينها “جبهة النصرة”. ووصول الأب باولو إلى الرقة  أعقب بأيام تفجير مقر “لواء أحفاد الرسول” في محطة القطار في المدينة (منتصف أغسطس/آب 2013). وفي تلك الأيام اختفى الناشط الصحافي محمد نور مطر، فعلم أهله بعد ذلك بأيام أنه في أحد سجون “داعش”.

أما هدف الأب باولو من مقابلة زعيم “داعش” في الرقة، وقيل في حينه إنه أبو بكر البغدادي شخصياً، فكان محاولة تقديم النصح والمساعدة في تحويل الرقة إلى مركز مدني ممثل للثورة السورية، كأول مدينة خرجت عن سيطرة النظام في ربيع 2013، بالإضافة إلى التوسط عند “الخليفة” للإفراج عن صحافيين فرنسيين كانا معتقلين في سجون التنظيم، وعدد من المعتقلين السوريين، ومن بينهم فراس الحاج صالح.

لكن الأب باولو اختفى في ذلك التاريخ، وتتابعت سلسلة اعتقالات الناشطين المدنيين بالعشرات، حتى وصل الأمر إلى اعتقال الناشط إسماعيل الحامض، الذي تجاوزت فترة غيابه 1500 يوم منذ اختطافه من وسط الرقة في وضح النهار يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2013. وكانت موجة من الخطف بدأت مع سيطرة الفصائل على الرقة وطرد مفارز النظام منها، ترافقت بانفلات أمني، وانتشار عصابات ولصوص استخدموا أسلوب الخطف لطلب فديات، وأبرز من اختطف في هذه الفترة، رئيس المجلس المحلي، عضو الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، عبدالله الخليل منذ 19 مايو/ أيار 2013.

الهوتة

الهوتة هي منطقة مجاورة لقرية حمَّام التركمان جنوب ناحية سْلوك (بتسكين السين)، وهي انهدام طبيعي لم يفصل خبراء أو جيولوجيون في سبب نشوئه في نهايات ثمانينيات القرن الماضي. لكن عودة نهر البليخ إلى الجريان بغزارة قبل ذلك بسنوات قد يكون سبباً منطقياً في نشوء الهوتة، مع ارتفاع مستوى المياه الجوفية نتيجة التوسع في ري الأراضي من النهر الذي ينبع من بلدة عين العروس جنوب مدينة تل أبيض. فغزارة المياه السطحية المستمدة من النهر، مع عدم الحاجة للاعتماد على المياه الجوفية، ربما تسببا في إذابة التربة الكلسية العميقة، ما جعل المنطقة تنهدم مشكّلة ظاهرة الهوتة. وما دعم هذا التفسير المحتمل هو أن زائري الهوتة أجمعوا على سماع صوت جريان مياه مسموع مصدره أعماق الهوتة، وهو ما شبهه بعضهم بهدير مياه نهر جارٍ في تلك الأعماق. وجاء في قاموس المعجم الوسيط أن “الهُوتَةُ: ما انخفض من الأَرض. والهُوتَةُ الطريقُ المنحدرُ إِلى الماءِ. والجمع: هُوْتٌ، وهُوَتٌ”. والهوتة ظاهرة جيولوجية طبيعية منتشرة في سورية، وفي بلاد عربية وأجنبية أخرى، لكنها في الرقة، وفي زمن “داعش”، وأخوات التنظيم من الفصائل المسلحة، ارتبطت بالموت الوحشي الذي هانت عنده فكرة القبور الجماعية التالية للمجازر والمذابح في الحروب عموماً، وفي الحروب الأهلية خصوصاً.

بداية، أحاطت بظاهرة الهوتة أساطير شعبية تفسرها بأنها مسكن لـ”السعلوة” (أنثى أسطورية متوحشة تأكل الأولاد في خرافات الجدات)، مثلها مثل “المغر – جمع مغارة”، والبيوت المهجورة المتفردة بعيداً عن تجمع البيوت في بعض القرى. وما ظهر من الهوتة عند فوهتها هو بضعة أمتار، فشكلها غير متجانس، وفيها أخاديد وكهوف، وعمقها مجهول، رغم أن بعض التقديرات تحدثت عن عمق 150 متراً. الأهمية السياحية للهوتة كانت ولا تزال متواضعة، واقتصرت على بضع زيارات لعشرات ومئات السياح الأجانب الذين دفعهم الفضول لالتقاط الصور عندها، من دون التجرؤ على النزول فيها. أما خلال الحرب في سورية، فأصبحت قبراً مفتوحاً شاركت في إلقاء الجثث والأحياء فيه فصائل إسلامية متعاقبة خلال معارك السيطرة على أنحاء محافظة الرقة.

ونقل أحمد إبراهيم، في “الجمهورية” بتاريخ 3 أغسطس 2015 عن شاهد عيان قوله إن “أول من قام برمي جثثٍ في الهوتة كان أمير جبهة النصرة في سْلوك، فيصل البَلّو، وذلك يوم 18 سبتمبر/أيلول 2012 (بات من عناصر داعش بعد اعتقاله لأشهر بتهمة السرقة، وأصبح أمير مكتب العشائر الداعشي). أتذكر جيداً. لم نصدق وقتها. كانت 12 جثة لعناصر من جيش النظام قتلوا على حاجز بير عاشق (عاشج)، شرقي تل أبيض”.

ونقل إبراهيم عن الشاهد (عمر) أن “أكثر من ثلاثة آلاف جثّة لسوريين، علويين، وسنّة، ومسيحيين، وأكراد، ويزيديين، ومن سلمية، ومن عفرين، ومن السويداء، من مقاتلي الجيش الحر، ومن عساكر نظام، ومن (أخوة المنهج) في جبهة النصرة، وكل من يعارض. سوريون، كلهم سوريون. ألقيتْ أجسادهم وجثثهم في بيت السعلوة”. وتابع عمر: “مع الزمن وكثرة الجثث، فاحت روائح قاتلة، تصل إلى مسافة كيلومترات. فأحضر التنظيم 14 صهريج نفط خام من دير الزور، وشاحنتي قلّاب تحملان أكثر من 300 جثة، وألقاها كالقمامة وصبّ فوقها النفط في فوهة الهوتة. وكانت موقدة كبيرة استمر دخانها ونارها أياماً عدة. وامتلأ جو المنطقة برائحة النفط واللحم المحترق، وعلى بعد كيلومترات كثيرة كان بإمكان المرء أن يشمّ الرائحة”.

معتقلو “النقطة 11”

النقطة 11 هي أكبر سجون “داعش” في الرقة، وهي تحت مدرجات الملعب البلدي وسط المدينة. لكن اختفاء التنظيم من المدينة بعد صفقة خروجه منها برعاية الولايات المتحدة و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) جعل قضية المختفين قسرياً في سجون “داعش”، ومنها النقطة 11، صرخات فردية، في غياب أي إحصائية أو سجلّ بأعداد المفقودين. غير أن التقديرات تحدثت عن مئات منذ عام 2013 خصوصاً، كون أعداد المعتقلين تناقصت بعد هذا العام، بسبب نزوح ولجوء الناشطين، أو السكوت خوفاً من السجن والاعتقال والأحكام الشرعية التي وصلت إلى حدّ قطع الرؤوس والصلب، أو الرجم للنساء. وهنالك أيضاً “سجن السد” الواقع في جسم سد الفرات، عدا عن معتقلات سرية لا بدّ أنها موجودة في “دولة” مثل دولة “داعش”.

الربط بين كل تلك المعلومات غير الجديدة فعلياً لا يمكن إلا بالاستنتاج، مع غياب وجود شهود على وجود هؤلاء المعتقلين في سجون “داعش”، أو تصفيتهم ورميهم في الهوتة، أو دفنهم في مقابر جماعية. وجميع ما تم تداوله من إشاعات حول ذلك، نفاه متابعون على مدى السنوات الأربع الماضية بقرائن أيضاً، وليس بمعلومات، أو شهادات. ويوم سيطرت “قوات سورية الديمقراطية” على الملعب البلدي، كانت “النقطة 11” خالية من المعتقلين. ومن غير المعقول أن يكون “داعش” نقل المعتقلين إلى دير الزور قبل بدء حصار مدينة الرقة، أو بعد عقد الصفقة مع “قسد” ورعاته.

الأمل الوحيد لمعرفة مصير المغيبين قسرياً هو تشكيل حملة قانونية وحقوقية منظمة للضغط على سلطة الأمر الواقع في الرقة، وهي “قوات سورية الديمقراطية”، للتحقيق مع عناصر “داعش” السوريين الذين أطلقت “قسد” سراحهم بعد اعتقال لأيام، للتوصل إلى قرائن أو دلائل تفيد في معرفة مصير مئات المعتقلين، واتخاذ الإجراءات اللازمة لانتشال ما تبقى من أجساد الساكنين في الهوتة، وتحليل الحمض النووي لتلك الأجساد كي يقتنع أهالي المفقودين أن أحباءهم ماتوا مظلومين، ويواجهوا حقيقة أن الموت يبدأ كبيراً ثم يصغر، أو يبدأوا البحث في احتمالات أخرى تقودهم إلى معرفة مصير أحبائهم.