وليد بركسية
دعوات الإبادة الجماعية ومشاعر الفرح التي يبثها الموالون للنظام السوري مع كل قذيفة تطلق على الغوطة الشرقية، منذ انطلاق واحدة من أعنف الحملات العسكرية ضد المدنيين المحاصرين في ضاحية دمشق المحاصرة منذ العام 2013، ليست جديدة أو مفاجئة. ليس لأن الشرخ السوري – السوري بات أعمق من أي وقت مضى إثر مرور 7 سنوات على الحرب الأهلية في البلاد، بل لأن المشهد يبدو نسخة كربونية من تفاعل الموالين مع الحملة العسكرية التي شنها النظام على أحياء حلب الشرقية العام 2016.

العامل المشترك بين حملتي الإبادة، هو الدعم الروسي الكامل لسياسة الأرض المحروقة، بعكس معارك أخرى كان فيها مستوى العنف أقل بشكل واضح كما حدث في دير الزور مؤخراً، أو معارك لم تكن القوات الروسية طرفاً حاسماً فيها عسكرياً، بقدر الميلشيات الإيرانية البرية، كما هو الحال في الزبداني والقلمون التي اتبعت فيها أساليب مستمدة من تكيكيات الحروب في القرون الوسطى كالحصار والتجويع قبل فرض الاستسلام والتوقيع على “اتفاقيات المصالحة” والتهجير.

ينعكس هذا الزخم السياسي – العسكري الذي يشعر به النظام بشكل قوة فائضة يترجمها عسكرياً ضد المدنيين من دون أي اعتبارات، ودعائياً عبر ضخ مخيف عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الرسمي، لدعوات الإبادة والقتل الجماعي. “الأصوات اللي عم تطلع بالغوطة أجمل من أصوات The Voice مجتمعة”، تقول إحدى المواليات للنظام السوري في تغريدة انتشرت على نطاق واسع كمثال واحد فقط على نوعية الجو العام بين الموالين تجاه ما يحدث في الغوطة، والتي تذكر باحتفالات المعارضين في شوارع حلب الغربية، قبل انتهاء المعارك في أحيائها الشرقية، وبصور مراسلي النظام مع جثث القتلى هناك في تلك الفترة.

والحال أن الغطاء الروسي لسياسة الأرض المحروقة، التي يتبعها النظام السوري في حملته الأشرس ضد مدنيي الغوطة الشرقية منذ مطلع الأسبوع الجاري، كشف حقيقة حاول نظام الأسد الالتفاف عليها منذ أواخر العام 2016. فالحملة الأشرس اليوم تستهدف المدنيين لا تنظيمات إرهابية بالدرجة الأولى، ويتم تكثيفها بخطاب إعلامي وشعبي يبلغ درك الدعوة للإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يقوم به سوريون ضد سوريين آخرين، للمفارقة البائسة، وهي دعوات تستحق المحاكمة والملاحقة الجنائية لو صدرت من طرف شخص ما في دولة غربية وقت السلم.

وحتى لو بدا الأمر غريباً، فالأرجح أنه لا يمكن فصل الغطاء السياسي الذي يوفره الكرملين للنظام في دمشق، عن منشورات أشخاص عاديين موالين للنظام يجلسون في منازلهم ويبثون كراهيتهم عبر السوشيال ميديا. فالضخ الدعائي لا يحدث من تلقاء نفسه. بل يتم الترويج له أولاً بخطاب رسمي وشبه رسمي، موجه من النظام المنتعش بقوته ودعم حلفائه وغياب قوة قادرة على ردعه، كالمجتمع الدولي والولايات المتحدة، إلى قاعدته الشعبية. ويرسم ذلك النمط العام للتفاعل الإلكتروني المطلوب، الذي يتم استنساخه لاحقاً في صفحات الموالين وتعليقاتهم.

وإن لم يكن تفاعل الموالين موجهاً بشكل مباشر للأتباع، فإنه يبقى متاثراً بالتيار السائد المرسوم سلفاً في أكبر الصفحات الاجتماعية “التشبيحية”، مثل “دمشق الآن” و”مراسلون سوريون” وفي صفحات المراسلين الحربيين مثل إياد الحسين، والتي تبث محتوياتها السامة لملايين الأشخاص في وقت واحد، لتظهر ما هو الحد المسموح به في التعبير عن “دعم الجيش السوري”، من دون الحديث عن الإعلام الرسمي الذي ينتهج نفس الأسلوب بطبيعة الحال.

ويرتكز خطاب النظام هنا على محاور عديدة، بداية بنفي المجزرة التي توصف بأنها خدع بصرية هوليوودية أو مسرحيات تقوم بها “أدوات أجهزة الاستخبارات” الموجودة في سوريا، وصولاً للقول بأن الحملة الحالية هي مجرد رد على قذائف الهاون التي تسقط على العاصمة دمشق، أو “عملية تحرير” للغوطة من الإرهابيين، رغم أن التقارير الدولية ذات الصلة تشير إلى أن العمليات العسكرية تتركز ضد المدنيين والمنشآت الطبية والإغاثية الموجودة في الغوطة الشرقية وليس ضد الفصائل المسلحة نفسها، وعند الإشارة إلى تلك الحقيقة يكون الرد الرسمي و”الصريح” بأن المدنيين هم أداة وواجهة للإرهاب ولا بد من تحريرهم ولو عبر قتلهم، من أجل غاية أسمى هي “نهاية الحرب”.

وهكذا، ربما، وبموازاة شجب نظام الأسد على وحشيته في الغوطة، وشجب سلوك مواليه على مشاعر الكراهية المريضة المستمدة من الانتصارات المتتالية للنظام، يجب أن نتذكر أن المجتمع الدولي ككل فشل في وضع حد للأسد، بسبب الدعم الروسي الذي بات محورياً في البلاد، وبأثر من التفاف النظام ببراعة على “الخطوط الحمر” المرسومة له كاستخدام غاز السارين ضد المدنيين، منذ مجزرة خان شيخون وتبعاتها العام الماضي. وهكذا، نتذكر كم أنه من السخيف التصديق بأن روسيا تشكل جزءاً من الحل السياسي في البلاد، على ما تروج موسكو ودمشق في خطابهما المشترك، لأنها شريكة متحمسة للمذبحة الجارية. سوريا بالنسبة إلى الرئيس فلاديمير بوتين هي المنصة الدولية الوحيدة لاستعراض عضلات موسكو باعتبارها عائدة كقوة عالمية عظمى.

المدن