الرئيسية / الأخبار / أخبار سورية / الغوطة الشرقية تدفع ثمن تخلي العالم عنها

الغوطة الشرقية تدفع ثمن تخلي العالم عنها

توحي المؤشرات والتطورات الميدانية في الغوطة الشرقية لدمشق، أن النظام السوري وحلفاءه يقتربون من تحقيق هدفهم بشطر المنطقة إلى جزأين، بعدما أدار العالم ظهره لـ400 ألف مدني محاصر في الغوطة، يتعرضون ليل نهار لأقسى عمليات القصف، ليسقط ما يقارب الألف قتيل مدني خلال ثلاثة أسابيع، وبعدما عمد النظام إلى حرمان المنطقة من كل مقومات الصمود، خصوصاً المواد الغذائية والإغاثية، واستمر بتجاهل القرار الدولي 2401 الداعي لهدنة في سورية، مستفيداً من دعم كامل من روسيا. أما موسكو، التي كانت قد تذرعت بوجود عناصر “هيئة تحرير الشام” (النصرة) لتبرير خرق القرار 2401 واستمرار الحملة على الغوطة، ومع بدء خروج مقاتلي الهيئة من المنطقة، اعتبرت هذه الخطوة غير كافية لوقف الحملة هناك، بما كشف عن نوايا معروفة بالقيام بكل شيء حتى تصبح الغوطة خاضعة لنظام بشار الأسد.
ومع استمرار قصف مدفعية النظام والطيران الروسي أمس، لمدن وبلدات الغوطة الشرقية لدمشق، وسقوط ضحايا جدد من المدنيين هناك، شهدت جبهات المعارك خلال الساعات الأخيرة، تراجعاً إضافياً للفصائل العسكرية، أمام تقدّم قوات النظام نحو بلدة مسرابا وقريباً من مديرا، وسط الغوطة، وكذلك على جبهات بساتين حرستا غربها، بهدف تطبيق سياسة تقطيع الأوصال وعزل مناطق المعارضة عن بعضها. في وقت أفاد فيه المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن قوات النظام عزلت أمس مدينة دوما عن باقي الغوطة بعد سيطرتها على الطريق الذي يربطها بحرستا غرباً وعلى مدينة مسرابا إلى الجنوب منها. وبحسب المرصد، فمع عزل دوما، قسّم النظام الغوطة الشرقية إلى ثلاثة أجزاء: دوما ومحيطها شمالاً، حرستا غرباً، وباقي المدن والبلدات التي تمتد من الوسط إلى الجنوب.

كذلك قال الناشط المتواجد في الغوطة الشرقية محمد الشامي لـ”العربي الجديد” أمس السبت، إن الطيران الحربي والمروحي قصف الأحياء السكنية في مدينتي دوما وحرستا منذ ساعات الصباح الأولى، بأكثر من خمسين غارة ألقى خلالها صواريخ وبراميل متفجّرة ما أسفر عن وقوع عشرات الجرحى من المدنيين بينهم حالات خطرة، تزامناً مع قصفٍ مكثفٍ على بلدة مسرابا، التي تقدّمت قوات النظام نحوها في وقت لاحق عصر السبت. وكان القصف بالبراميل المتفجرة على الأحياء السكنية في بلدة مسرابا قد أسفر أول أمس، عن مقتل تسعة مدنيين بينهم سبعة من عائلة واحدة، بحسب توثيق الدفاع المدني السوري في ريف دمشق.

ومع استمرار قصف قوات النظام والطائرات الحربية للمدن والبلدات البعيدة عن جبهات المعارك في الغوطة الشرقية، فإن عدد المدنيين الذين قتلوا نتيجة هذه الهجمات، بلغ أربعمائة وخمسة وعشرين قتيلاً، خلال الأسبوعين اللذين تبعا صدور قرار مجلس الأمن 2401، بحسب آخر إحصائية صدرت أمس السبت، عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وقالت الشبكة في تقريرها الذي وصلت نسخة منه لـ”العربي الجديد”، إن من بين الضحايا الذين قضوا بعد صدور القرار 2401 المطالب ببدء هدنة في سورية، واحداً وستين طفلاً وستة وثلاثين امرأة.
وقُتل بحسب مصادر حقوقية، أكثر من 950 مدنياً في الغوطة الشرقية، منذ 18 فبراير/شباط الماضي، مع بدء قوات النظام والطيران الروسي، أعنف حملة قصفٍ على مدن وبلدات الغوطة الشرقية، قبل أن تبدأ منذ نحو أسبوعين، عمليات الهجوم البري، الذي يتواصل على أكثر من محور، أبرزها محور شرقي الغوطة الذي أحرزت فيه القوات المهاجمة تقدماً كبيراً، ووصلت أمس إلى بلدة مسرابا وسط الغوطة، فيما تشهد جبهات حرستا معارك عنيفة، تقدمت خلالها قوات النظام.

وحتى مساء السبت، كانت المعارك لا تزال دائرة على هذه الجبهات، ولا يمكن الجزم تماماً بما ستسفر عنه؛ غير أن قوات النظام المتقدمة شرقاً إذا ما تابعت وتيرة تقدمها وسط الغوطة الشرقية في مديرا بعد مسرابا، فإنها تصبح قريبة من فصل الغوطة الشرقية إلى جزأين كبيرين؛ أولهما شمالاً حيث مناطق سيطرة “جيش الإسلام”، ومركزه دوما والبلدات المحيطة بها، وثانيهما جنوباً، حيث مناطق سيطرة “فيلق الرحمن” في مدنٍ وبلداتٍ أبرزها عربين، زملكا، حزة، كفربطنا، عين ترما وجوبر. يضاف إلى ذلك، جبهة حرستا التي تعتبر مناطق نفوذٍ لـ”حركة أحرار الشام”، والتي تواجه منذ أيام ضغطاً عسكرياً من قبل قوات النظام، التي تقدمت خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة فيها، واقتربت كذلك، من قطع طرق اتصالها بعمق الغوطة ووسطها.

في موازاة ذلك، وصل أمس السبت 13 عنصراً من “هيئة تحرير الشام” (النصرة) إلى منطقة قلعة المضيق في ريف حماة، في طريقهم لمحافظة إدلب شمال غرب البلاد، بعد خروجهم باتفاقيةٍ من الغوطة الشرقية. ويأتي وصول هؤلاء العناصر إلى شمال غرب سورية، بعد ساعات من خروجهم من الغوطة، عبر معبر “مخيم الوافدين”، في حافلةٍ أقلتهم عبر الأوتوستراد الدولي الذي يربط دمشق بوسط وشمال سورية؛ وذلك بعد اتفاقٍ أشرفت عليه الأمم المتحدة، التي كانت تلقت رسالة من فصائل الغوطة الشرقية الثلاثة: “جيش الإسلام”، و”فيلق الرحمن”، و”حركة أحرار الشام”، مساء 26 فبراير/شباط الماضي، أعربت فيها عن التزامها “التام بإخراج مسلحي هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة والقاعدة وكل من ينتمي لهم وذويهم من الغوطة الشرقية لدمشق خلال 15 يوماً من بدء دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي”.

وكانت روسيا بحسب ما أكدت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد”، عرقلت منذ نحو أربعة أشهر، مساعي الفصائل العسكرية في الغوطة الشرقية، لإخراج عناصر “تحرير الشام” من الغوطة، والبالغ عددهم مائتين وأربعين عنصراً، وأفشلت اتفاقاً كان من المقرر بموجبه نقلهم إلى الشمال السوري. إذ كان المتحدث الرسمي باسم “فيلق الرحمن” وائل علوان، قد كشف عن مفاوضاتٍ بين ممثلين من فصائل الغوطة والجانب الروسي، جرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لإخراج عناصر “تحرير الشام” من الغوطة الشرقية إلى مناطق الشمال السوري، عبر إخراجهم بحافلاتٍ ترافقها جواً طائرات روسية، وتنطلق الحافلات من معبر جسرين والمليحة نحو دمشق ثم إلى قلعة المضيق والشمال السوري؛ وتم بحسب المتحدث الاتفاق على كامل النقاط المتعلقة بعملية الإخلاء هذه، لكن الروس تهربوا لاحقاً، وقالوا إنهم غير جاهزين لتنفيذ هذا البند لعدم إمكانهم نقل عناصر “الهيئة”، وعدم وجود مكان لهم في مناطق شمالي سورية.

ولا توحي المؤشرات الأولية التي تمكن قراءتها عبر تصريحاتٍ مسؤولين روس، بأن موسكو قد تخفف أو توقف الحملة العسكرية الشرسة على الغوطة الشرقية، مع بدء خروج عناصر “هيئة تحرير الشام”، التي كانت الذريعة الروسية لإفراغ القرار 2401 من مضمونه، والالتفاف عليه، فقاعدة حميميم الروسية في سورية اعتبرت الخطوة “غير كافية”. وقالت القاعدة العسكرية الروسية عبر معرفاتها الرسمية على الإنترنت، بعد خروج عناصر “تحرير الشام” من الغوطة، إن “خروج مقاتلي جبهة النصرة الإرهابية من الغوطة الشرقية، لم يعد كافياً لحل النزاع الدائر في المنطقة بعد انقضاء عدة فرص سابقة لم تلقَ تجاوباً فعالاً من الاطراف الأخرى”.

ويؤكد هذا التصريح، إضافة للمعطيات الميدانية قبله وبعده، مع مواصلة قوات النظام المدعومة من الطيران الروسي، عمليات القصف على المدن والبلدات، والهجوم البري، ما كانت أكدته مصادر المعارضة، من أن موسكو غير مهتمة بإخراج عناصر “هيئة تحرير الشام” من الغوطة، كي تحافظ على ذريعة العمليات العسكرية هناك، أمام الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي.

وقال المتحدث باسم “فيلق الرحمن” وائل علوان في وقت سابق لـ”العربي الجديد”، إن “الروس في السابق أعطوا أوامرهم بحصار داريا وقصفها وتهجيرها بذريعة النصرة، ولم يكن فيها عنصر من النصرة، فالروس يستثمرون وجود المجموعات المتطرفة بقلة عددها، لقتل وقصف المدنيين ولانتهاك القانون الدولي الإنساني بشكل صارخ، وفي الحقيقة هم لا يقصفون هذه المجموعات المتطرفة، ولا يلتزمون بإخراجها وفصلها من مناطق الجيش السوري الحر”، مضيفاً أن “الجانب الروسي هو من عطّل إخراج عناصر هيئة تحرير الشام (من الغوطة) ليتخذ منهم ذريعة في حرب الإبادة”.

وأضاف علوان أن الجانب الروسي “بذريعة 200 عنصر فقط من النصرة في الغوطة، يقصف ويقتل ويبيد أكثر من 400 ألف مدني”، مؤكداً أن “هؤلاء المائتي عنصر الذين كانوا منتسبين لهيئة تحرير الشام، وليس لهم أي نقاط مواجهة أو رباط أو مقرات عسكرية وممنوعون من أي نشاط عسكري، وافقوا وأذعنوا للخروج من الغوطة إلى الشمال، لكن الروس عطلوا ذلك، ويتذرعون بوجودهم اليوم لارتكاب أفظع الانتهاكات وبقصف 400 ألف مدني فيهم أكثر من عشرين ألفاً من الجيش السوري الحر”.

وأمام تصاعد عمليات القتل، غابت أي مواقف دولية، باستثناء تصريح لوزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الذي قال في حديث لصحيفة “دي تسايت” الألمانية، إن الهجوم على الغوطة يشكّل انتهاكاً للاتفاقات التي تم التوصل إليها في أستانة وسوتشي، مؤكداً أن بلاده تنتظر من روسيا وإيران أن تضعا حداً للانتهاكات المذكورة، مضيفاً “ما يحدث في الغوطة جريمة. الكثير من المدنيين ماتوا بالغاز السام. هذه جرائم حرب ارتكبها النظام السوري”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »