الحرمل ـ عروة المهاوش

حين اشتد عليه المرض كان عليه أن يخفف من وقع الموت لمدللته الصغيرة، والتي كان يرف لها ريش قلبه حين يذكر اسمها، فكان يردد لها أبياتاً من شعر أبي فراس الحمداني يقول فيها:

“أبنيتي لا تجزعي     كل الأنام إلى ذهاب

أبنيتي صبراً جميلاً    للجليل من المصاب

نوحي علي بحسرة    من خلف سترك والحجاب

قولي إذا ناديتني      وعييتُ عن رد الجواب

زين الشباب “أبو شجاع”لم يمتع بالشباب

رثاه الفراتيون، حتى فاضت دموع غربتهم في دول اللجوء قهراً، حتى ليخال لك أن فيض دمعه سيلاقي دمع دجلة ويلتقيان في شط العرب.

وصف بأنه جليس الأمراء، كونه قد شهد أحداثاً مفصلية في تاريخ محافظة الرقة، والتي ولد وترعرع فيها، في طفولته عاش في بيت آل الصطاف “الكبير” والذي كان يستقبل حينها أغلب شيوخ عشائر سوريا،والمنطقة العربية، وقد كان لتلك الشخصيات التأثير الكبير في تكوين شخصيته الفكرية، والثقافية واطلاعه على أمور سياسية في وقت مبكر من حياته.

يرجع نسب الحاج “غسان بن عبد الله بن مصطفى الإبراهيم العيسى اليحيى الرمضان آغا” إلى عمر بن معد يكرب الزبيدي،الذين شاركوا في الحلف “الكردي”، حيث انقسم أهل الرقة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى حلفين متوازيين هما حلف الأكراد وحلف العشارين.

ولد في محافظة الرقة عام (1936 م) ودرس المرحلة الابتدائية في مدرسة الرشيد، وتابع دراسته الثانوية وانقطع عنها لمساعدة والده في أعماله. أما أخواله فهم من البليبل الذين تعود أصولهم إلى “البو بدران”.

يعتبر الدكتور عبد السلام العجيلي من أقرب الأصدقاء، وأحبهم لقلب “الصطاف”، وذلك لعوامل عدة أولها الجيرة والقربى والصداقة التي تجمعهما، إضافة لولعهبالقراءة وشؤون الثقافة التي تفتح أفاقاً مشتركة بين الرجلين، مع تميزه بذاكرة قوية متقدة ساعدته كثيراً على فهم الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي كانت تمر به المحافظة خاصة وسورية عامة، مما ساعده على ترجمة أفكاره على أرض الواقع عملاً متميزاً، أضفى جمالية خاصة لشخصيته.

عاصر “الصطاف” حرب السويس والثورة الجزائرية، ولم يكن بعيداً عن الأحداث، أو الواقع العربي حاملاً الهم الكبير قبل الهم الأصغر حتى تمت الوحدة السورية المصرية، وقد ناصر الوحدة وشارك في احتفالاتها حينها مع باقي أهالي المدينة. انخرط في العمل السياسي، والحزبي في خمسينيات القرن الماضي حين كان طالباً في مدينة حلب، والتقى خلال تلك الفترة الاستاذ “سليمان العيسى” وعدداً كبيراً من المهتمين بالشأن السياسي على مختلف مشاربهم.

امتلك “الصطاف” مكتبة كبيرة داخل منزله تحتوي على الكثير من الكتب القيمة، والنادرة حيث كان ينهل منها الكثير من العلوم والمعارف، وقد كان مهتماً بشكل خاص بالشعر، والتاريخ حيث حفظ الكثير من القصائد، والأشعار وكذلك الكثير من الكتب والمراجع التاريخية، شارك في مهرجان “العجيلي” السنوي مرات عدة، والمهرجان الشعري حيث ألقى محاضرة عن الشاعر الرقي “فيصل البليبل” تطرق فيها إلى حياته، واستشهد ببعض قصائده، كما تطرق في ندوة ثانية لحياة الشاعر “مصطفى الحسون” بمحاولة منه لترسيخ تلك القامات في ذاكرة المدينة، ومن شدة ولعه بالفكر والفن والثقافة ارتأى أن تكون نقابة الفنون الجميلة بالرقة في البناء الذي يملكه، وكان مركز نقابة الفنون الجميلة في الطابق الأرضي، مما أضاف لحياته نافذة جديدة على عالم الفن والرسم، والتعرف على فناني محافظة الرقة.

له حضور مميز بين الناس فقد كان شخصاً اجتماعياً يتمتع بشخصية قوية،حيث كان حضوره قوياً بين أبناء جيله ومن عاصره، تعامل معه الجميع بكل احترام وتقدير لشخصه إضافة إلى أنه كان مضيافاً ودوداً لكل من يلتقيه.

لم يترك مدينته الرقة حتى أواخر أيامه حباً بها، رغم كل مامرّ عليها من دمار وقتل خلال السنوات السابقة، لكن مرضه في الفترة الأخيرة، ولعدم وجود مشافٍ في المدينة اضطرته الظروف القاهرة لمغادرتها بعد معركة الرقة بثلاثة اسابيع بين تنظيم “داعش” وقوات سورية الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي، لتبدأ حياته برحلة لم يكن يتوقعها، هي رحلة العلاج والمشافي التي لايحب العيش فيها، احتضن عائلته الصغيرة بكل حنان الأب خلال هذه الفترة لإيمانه التام بأن القدر قد اقترب ولابد أن يسمع نبض عائلته ويتدفأ بأنفاسهم في لحظاته الأخيرة.

في الغربة، الموت موتان والغصة بألف، مؤلم أن تشارك بجنازة أهلك على مدى سنوات ثم تموت غريباً في أرض غريبة، وتدفن بصمت.

رثاه أهل مدينته الذين أحبهم وأحبوه كما لم يرثِ أحد رجلاً من رجالاتها بعد أن فقدت الرقة قامة كبيرة لها دورها الفاعل في مجتمعها.

كما النهر يحفر مجراه بسلاسة، حفر “الصطاف” له مكاناً اجتماعياً مرموقاً في ذاكرة الفراتيين لن يمحوها الزمن ويطفئ بريقها، ذاكرة سيخلدها أبناء الرقة لشخصية لها أثرها في المجتمع الفراتي الذي يشابه نهره في النقاء والصفاء.