الرئيسية / مقالات رأي / جمعة الكوتشوك

جمعة الكوتشوك

الرقة بوست ـ أمجد آل فخري

ثمّة إبداعات في كلّ مجال يعمل لصالح الثورة واستمرارها، تماماً كالمجالات التي تعمل على حَرْفها عن ثوابتها ومسارها، وقد آن للسوريين استيعاب تجارب الأقارب قبل الأباعد.

ففي جُمَع الثورة في سنوات الثورة الأولى الماضيات كان السوريّون أغراراً في فهم العالم من حولهم، ولم يعملوا – ربّما – على هذا الصعيد ما يكفي لإيصال رسالتهم؛ لأسباب وجيهة كثيرة لعلّ في مقدّمتها تسليمهم بانتصار حتميّ على نظام مقيت، وإيمانهم بالحرية والديمقراطية قضيّة لا يمكن للعالم اليوم إلا مناصرتها والدفع بها إلى الأمام. لكن ذلك لم يكن كافياً لجذب الانتباه وحشد الأصدقاء باستمرار والمحافظة عليهم وتوسيع دائرتهم؛ لأن أحد أهم أسباب نكبة الثورة كان تقدُّم، بل تقديم، وجه ركب موجتها واستأثر بصورها ورموزها وألوانها على حساب غيره، وغير مرغوب فيه.

فهم الفلسطينيون اللعبة، وعملوا منذ الانتفاضة الأولى 1987 على إحياء صوت قضيّتهم بتوظيف معرفتهم العالم وآليات التشبيك مع مجتمعاته المدنية وتنظيماته السياسية ومنظماته النشطة في أوروبا والعالم، فعلى الرغم من امتلاك الفلسطينيين السلاح ، إلا أنهم استخدموا الحجارة في مواجهة سلاح جيش الاحتلال، وكانت أهازيجهم تهز الوجدان، وتدفع الشبّان لصلي أعدائهم بألوان من حجارة لا يخيب هدفها. وتقاطر الناشطون السياسيون من مختلف أنحاء العالم، من أمريكا إلى اتحاد جنوب إفريقيا يشاركونهم وقفتهم ويشدّون على أيديهم.

ومنذ ذاك التاريخ يقف العالم معهم متعاطفاً ومتفهّماً مطالبهم، ومندداً مستنكراً ردّ فعل المحتلّ على تحرّكهم؛ لأنهم استطاعوا إقناع العالم بعدالة قضيّتهم وأحقّية مطالبهم.

منذ خمس جمعات واليوم سادستها وهم يخرجون فيما أسموه “مسيرة العودة الكبرى”، وأطلقوا على هذه الجمعة ” جمعة الكوتشوك “؛ لأنهم سيحرقون إطارات الكوتشوك يحتمون بدخانها من رصاص جيش الاحتلال، قبل يوم يجمع الشبّان والفتية الإطارات، وبعلم المحتلّين وتحت بصرهم، ويعلمون العالم بكل وسائل التواصل والعلاقات الرسمية بموعد خروجهم ومكانه وأهدافهم، ويدعون الإعلام وأهله من مشارق الأرض ومغاربها لمتابعة الواقعة.

جمعة ” الكوتشوك ” يرى العالم تفاصيل مجرياتها مباشرة، إذ تبدأ بإشعال الإطارات المطاطية، وينداح سيل البشر منتظماً صوب الحدّ الفاصل بين القلب وشغافه، وتبدأ قوات الاحتلال باستخدام الغازات بأنواعها، والرصاص المطاطي، والرصاص الحيّ بعده، وربما تبدأ الطائرات صبّ حممها هنا أو هناك حول المتظاهرين، وكبار قادة العالم وصُنّاع القرار والكتّاب والمفكرون والفنانون والسياسيون يحذّرون جيش الاحتلال وقادته من أفعال الحمق ضد المتظاهرين، بعدما سقط برصاصهم العشرات في جمعات سابقة. الأمين العام للأمم المتحدة يدعو إسرائيل لضبط النفس وعدم استخدام القوة في قمع المتظاهرين، ومفوّضة الاتحاد الأوروبي تدعو إسرائيل إلى عدم استخدام القوة المفرطة، والمنظمات الإنسانية الدولية والمدنية تدين وتستنكر كل قسوة  ضد المتظاهرين، بينما المتظاهرون لا سلاح عندهم غير حناجر تصرخ للحرية، وأحجار تدفع عنهم رصاص محتلّ أرضهم، ومغتصب حقوقهم.

جمعة الكوتشوك تحقّق نصراً إثر نصر لقضية عمرها 100سنة! لم يطلقوا عليها جمعة ” واعتصموا ” ولا ” جئناكم بالموت ” ولا كل الأسماء الحسنى التي أطلقت على جمعات الثورة السورية، يكفيهم ألا أحد يناهضهم سوى البيت الأبيض.

في الجمعات القادمة للثورة السورية نحتاج استيعاب تجارب الآخرين، وأسماء بسيطة لفعل عظيم، ورموزاً تصل قلوب الشعوب حولنا فتنصرنا، وأدوات تدفعهم معنا ولا تدفعهم لخذلاننا، ولدينا القدرة على ذلك، فسنوات الدمار والموت سفر الثورة الذي ننهل منه، حيّ لا يموت.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »